على أن هذه الصيفة المنطقية للمماثلة بالنسبة، لا تستوفي فكر أبي قرة اللاهوتي ومنهجه. وذلك لأن فكرة المماثلة القائمة يبن الإله والعالم تتجاوز هذه المماثلة المنطقية، كما أن التوفيق بين سبيلي (الشبه) و (الخلاف) يتجاوز المماثلة بالنسبة التي يطبقها أبو قرة على المفاهيم العامة. إن المماثلة القائمة بين الإله والعالم علاقة واقعية تشتمل على الوجود والمعرفة. وهذا أمر يتبين من آثار أبي قرة بالذات وهو يربط المماثلة بالنسبة بمبدأ العلية. إن المنهج اللاهوتي الذي يعرضه في (الميمر في سبيل معرفة الله) وكذلك في (الميمر في وجود الخالق والدين القويم) يذكرنا بمنهج آباء الكنيسة اليونانية مؤسسي الفكر اللاهوتي البيزنطي ولا سيما بكتاب (اللاهوت الصوفي) لديونيسيوس الاريوباجي المنحول الذي أثر في تطور الفكر اللاهوتي المسيحي في المشرق والمغرب أعمق تأثير (35) . وبنى ديونيسيوس منهجه على التوفيق بين (اللاهوت السلبي) و (اللاهوت الإيجابي) اللذين يتساوقان في وحدة منهجية متماسكة وهي حركة المعرفة نحو الإله. وهذه الحركة هي الـTheoria أي (النظر) الذي يمثل الطريق إلى معرفة الله معرفة حقيقية. وللنظر وجهان أولهما الـKatharsis أي (التنزيه) وهو نفي الصور الحسية عن الإله، وأما الثاني فهو الـAnagoge أي (الارتفاع) وهو استخلاص معرفة الله الحقيقية من الصور الحسية (36) . ورغم أن ديونيسيوس يشدد على تعالي الإله فوق كل تفكير وحديث إنساني فإنه لا يخل بوحدة منهج معرفة الله الذي هو (النظر) .