وإذا ذكرنا كذلك أنه كان أسقفًا على مدينة (حرَّان) التي كانت بدورها ملتقى للتيارات الفكرية والمذاهب الدينية المختلفة، فقد وطَّدنا احتمال ألفته العميقة للمناهج التفكيرية الخاصة بالفلسفة اليونانية.
هذا ونعثر في كتاب (طوبيقا) لأرسطو على نص ذي شأن كبير في سياق بحثنا (33) فقد ورد فيه:"فينبغي أن نبحث عن التشابه في الأشياء التي توجد في أجناس مختلفة إن كان حال هذا الشيء عند غيره كحال آخر عند آخر، مثال ذلك أن حال العلم عند المعلوم كحال الحس عند المحسوس. وإن كان حال شيء عند غيره كحال شيء آخر في آخر، مثال ذلك أن حال البصر في العين كحال الركود في الهواء، وذلك أن كليهما سكون."ها هي ذي نظرية المماثلة المنطقية كما وصفت هي باتفاق النسب في كائنات مختلفة. وجدير بالذكر أننا نجد في نص أرسطو هذا، المصطلحات الأساسية التي يستعملها أبو قرة مثل (التشابه) و (الاختلاف) و (الحال) . غير أننا نتبين فورًا أن وجهة نظر أبي قرة تختلف عن وجهة نظر أرسطو، فإنه يشدد تشديدًا على تشابه الصفات في أحوال أجناس مختلفة في حين أن الفيلسوف الاستاجيريتي يبرز تشابه الأحوال في أشياء قد صنفت في أجناس مختلفة. ويرتهن هذا الاختلاف في وجهة النظر، باختلاف غاية كل من أرسطو وأبي قرة. ذلك أن الأول نوى وضع صيغة منطقية عامة، التشابه في الخلاف، وأما الثاني فقد طبق هذه الصيغة العامة على قضية لاهوتية خاصة مستخلصًا منها هذه العلاقات. وفي هذا ابتكاره الفكري (34) .