إنه لمن البيّن مما سبق من بحث، أن أبا قرة قد ابتكر تطبيق منهج المماثلة في معالجة قضية الصفات الإلهية. على أن هذا المنهج كان قد مر بمراحل شتى في التطور في الفلسفة اليونانية الكلاسيكية وفي فكر آباء الكنيسة. فقد عرفه (هيراكليت) واستعمله (أفلاطون) وأما (أرسطو) فقد كرس صفحات جميلة في كتاب (طوبيقا) لمعالجة قضية (الأسماء المشتركة) وهو يتناول (مماثلة الأسماء) أي (المماثلة المنطقية) (30) . وأما (أفلاطون) فقد طبق فكرة (المماثلة) على الانطولوجية وصاغ المماثلة القائمة بين الإله والعالم في صيغة (المثال- الصور) والمثال هو النموذج الأبدي الذي ينعكس في الصور التي بدورها تشترك في وجود المثال والتي هي قائمة بفضل مشاركتها فيه (31) إن الصيغة الأفلاطونية للمماثلة أثرت في فكر آباء الكنيسة اليونانية تأثيرًا عميقًا فقد أصبحت قالبًا فكريًا في الفكر اللاهوتي البيزنطي حتى في أيامنا هذه. واستمرارية فكر أفلاطون في فكر آباء الكنيسة يمتعنا بأساس منهجي كاف. لنفترض أن أبا قرة قد اقتبس فكرة المماثلة الانطولوجية بين الإله والعالم من الفلسفة الأفلاطونية. وهذا الكلام يصدق على تأثره بفكر أرسطو. على أن أبا قرة بكونه رائدًا من رواد ترجمة مؤلفات أرسطو إلى اللغة العربية، بفضل إتقانه للغة الإغريقية، كان يألف فكر هذا المفكر العظيم من المطالعة الشخصية في كتبه، فقد نقل للمرة الأولى إلى اللغة العربية كتاب (التحليلات الأولى) (32) . وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنه ولد في مدينة (الرها) التي كانت عصرئذ من أعظم مراكز الثقافة المسيحية لا في المشرق فحسب بل في العالم المسيحي بصورة عامة فقد درست ودرّست مدرستها اللاهوتية المشهورة. أفلاطون وأرسطو وغيرهما من كبار الفلاسفة.