فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 23694

أما أبو قرة فقد تجاوز جدلية التواطؤ والاشتراك مطبقًا منهج المماثلة على قضية الصفات الإلهية سابقًا، فأدى ذلك، إلى إحداث هذا المنهج في الفكر العربي على يد أبي الحسن الأشعري (251-324هـ) . فقد قال الأشعري بوجود صفات مشتركة للإله والإنسان عند الخلاف التام في أحوال هذه الصفات في كل منهما. ذلك أنه يميز بين (نفس) الإله وبين (نفس) الإنسان والخلق، ويرى أن هناك فرقًا أساسيًا بين الدائرتين من حيث (نفس) كل منهما أي ماهيتهما. فإن الإله أزلي غير مخلوق في حين أن العالم وجد في الزمان ويتعرض للزوال. ولذلك يمكن وصف الإله بصفات الخلق من غير وقوع في خطأ التشبيه إذا تم هذا التمييز (27) . إن الأشعري يرفض الاشتراك التام (بين حق الإله ولغة القرآن) الذي قال به المعتزلة، ولكنه يرفض كذلك التواطؤ التام بينهما الذي هو موقف الحنابلة. وفي رأيه أن الصفات تدل على شيء واقعي في ذات الإله مثل نسبته إلى ذات الإله كمثل نسبة الموصوف بالصفة إلى ذات الإنسان. (29) ها هي ذي (المماثلة) التي نلقاها في منهج أبي قرة اللاهوتي، فيستحيل علينا أن نقدر أبا قرة بقيمته الحقيقية إلا إذا رددناه في قرائنه التاريخية، أي في إطار الجدل بين مذهب الاعتزال وخصومه، حول قضية الصفات الإلهية، فإنه تقدم لهذه المشكلة العويصة بحل جديد في تاريخ الفكر الديني العربي. ذلك أنه أدخل على موقف المعتزلة الاسمي اللاأدري تعديلات نظرية ومنهجية انطلاقًا من موقف الواقعية من المعرفة واللغة. ونتبين أن هذا الموقف الواقعي مرتبط بمنهج المماثلة كما أن موقف مذهب الاعتزال الاسمي اللاأدري وموقف خصومهم الحنابلة أيضًا يترتبان على عدم وجود هذا المنهج عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت