هذا ويظهر تفاعل أبي قرة مع الفكر الاعتزالي بكل وضوح في موقفه من قضية الصفات الإلهية، ونحن نعلم أن هذه القضية، التي كانت تحتل مركزًا خطيرًا في مذهب الاعتزال، مرتبطة بنظرية المعرفة. ولقد رأينا فيما سبق أن الصفة، في رأي أبي قرة، أمر واقعي باستطاعة الإنسان أن يعرفها ويتحدث عنها. أما الصفات الإلهية فإن نظريته للمعرفة تتضمن فكرة (الشبه) بين الإله والعالم في الصفات على أن الشبه مماثل غير متواطئ. والحديث عن الشبه والجهد الظاهر الذي يبذله أبو قرة في إقناع خصومه به إنما هو دليل واضح على أنه يرمي بحديثه إلى المعتزلة، فإن القول بالشبه كان تحديًا بالنسبة لهم رافضين فكرة (التشبيه) بالاستناد إلى مفهوم معين لتوحيد الله رفضًا كاملًا عنيفًا. (22) وإذا أخذنا أهمية قضية الصفات الإلهية لفكر المعتزلة بعين الاعتبار، تحققنا ذلك. إن هذا الرفض لكل شبه وتشبيه بين الإله والخلق موقف تجمع عليه جميع مذاهب الاعتزال، ويتضمن هذا الموقف من التشبيه إنكار حقيقة الصفات الإلهية التي يعتبرونها مجرد مظاهر لذات الإله في ذهن الإنسان. ويتضمن كذلك إنكار حقيقة واقعية معرفة الإله وواقعية اللغة في الحديث عنه. ذلك أن مظاهر الخلق تدل على قدرة الإله وعلمه وحياته وغير ذلك فيقال إنه قادر وعالم وحي الخ، وفي الحقيقة ليس هناك غير ذاته (23) . فإثبات صفة من الصفات عن الإله إنما يعني نفي نقيض تلك الصفة عن ذاته. إن فكر المعتزلة اللاهوتي يتصف بأنه (لاهوت سلبي) أي ينهج في الحديث عن الإلهيات نفي الصفات الإيجابية عن الإله. فيرى المعتزلة أن الصفات لا تطلعنا على أي شيء كان عن حق الإله سوى إثبات وجوده. وذلك لأن المعنى الخاص بكل واحدة من تلك الصفات لا يعبر عن حقيقة الإله وإنما يدلنا على معنى إنساني. وقد أدى هذا الرأي بالبعض من المعتزلة إلى الخلط بين عملية (الوصف) ونفس (الصفة) (24) .