إن هذه التأملات تقودنا إلى استنتاج أول حول مسألة جمهور أبي قرة. يبدو أنه نوى في آثاره العربية الجدل مع مثقفين مسلمين فقد ترسبت هذه النية الواعية أو اللاواعية في هذه الكلمات الخاصة بلسان الفكر ا لديني الإسلامي.
هذا وهناك دليل آخر ينضم إلى ما سبق من الأدلة فتتضامّ جمعاء متقاربة إلى نقطة واحدة في دعم هذا الاستنتاج. وهذا الدليل ينتج عن دراسة تفاعل أبي قرة مع الحركة الفكرية في عصره.
منزلة أبي قرة في الحركة الفكرية:
رأينا، عند عرضنا بعض نصوص أبي قرة، أنه يتخذ موقف الواقعية من المعرفة. ورأينا أن منهجه اللاهوتي يترتب على هذا الموقف النظري. فما منزلته في الحركة الفكرية النشيطة التي كان عصره يمتاز بها ونحن نعلم أن قصده الأول الرئيسي إنما هو الجدل والمناظرة؟
كان من أبرز سمات الحركة الفكرية والثقافية عصرئذ، نشاط المعتزلة، ليس في علم الكلام وحسب، ولكن في المجالات المختلفة للعلوم والفكر. فلا نستغرب من أبي قرة أن نعثر في ميامره على آثار التفاعل الفكري بينه وبين المعتزلة الذين أحدثوا في الإسلام الفكر الديني، بل أن نراه يتأثر بهم في أسلوبه التفكيري محافظًا في آن واحد على استقلاله الفكري (20) ولما جرى هذا التفاعل في ميدان الجدل ومناقشة القضايا اللاهوتية، ومنها قضية الصفات الإلهية، فقد دخل في منطقهم وأسلوبهم التفكيري ذاهبًا معهم إلى أقصى حد ممكن. ويمكننا أن نمثل ذلك بمفهومه للإيمان، فإنه يبرز دور العقل في"تدبير الإيمان"إبرازًا يقارب تشديد المعتزلة على أهمية العقل بكونه حاكمًا ومسيطرًا على كل شيء في حين أنه يقدم، في أول الميمر عن الثالوث، تعريفًا للإيمان يقيم وزنًا كبيرًا لما يفوق العقل وذلك بالاستناد إلى الفكر الديني المسيحي. (21)