فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 23694

وتبرز مسألة الجمهور بروزًا أكثر وتتضح وضوحًا أشد عند دراسة أسلوب هذه الميامر. ذلك أن القارئ الذي تعود أسلوب الفكر الديني الإسلامي لا يلبث أن يعثر على ألفاظ وعبارات خاصة بلغة هذا الفكر الديني فيتساءل عن وظيفتها في سياق النص. فلنأخذ مثلًا على ذلك نصًا من ميمر (رسالة) (ص 117) وهو نص يختصر فيه بو قرة نقده على رأي مذهب الطبيعة الواحدة في منتهى الشدة وغاية العنف. وقد وردت في هذا النص العبارات التالية:"بإذن الله"،"الافتراء المستوجب لكل غير ذي لب"،"شُبِه" (بالنسبة للمسيح) . كل هذه العبرات تختص بلغة القرآن الكريم (19) . ويثير تراكم هذه العبارات في نص جدلي قصير أسئلة: أفوقعت هي في الحديث عرضًا؟ أم هي شواهد لثقافة المؤلف اللغوية والدينية؟ أم تؤدي وظيفة ما في سياق النص؟ يبدو لي أن هذه الفرضية الأخيرة صحيحة. وذلك لأن تراكم الألفاظ والعبارات يعارض فكرة العرض، وكل كلمة أو عبارة تقع في حديث الإنسان تنقل معنى واعيًا أو غير واع، ولذلك يستوعب الافتراض الثالث غيره.

وإذا أدت هذه العبارات القرآنية وظيفة ما في هذا الحديث اللاهوتي فما هي؟ إنها تحمل دلالة خاصة أي تؤدي وظيفة الـ (CODE) . ومعنى هذا أن وجود هذه العبارات في نصنا يشير إلى دخول الإسلام في حقل النقاش اللاهوتي على مستوى نية المؤلف الشعورية أو اللاشعورية. ومعنى ذلك أن هناك في هذا المقطع من الميمر (وهو وحدة إفادية) بل في الميمر كله مستويين من الحديث الجدلي وهما (أ-) مستوى الجدل بين المذاهب المسيحية وهو مستوى الحديث الصريح، و (ب-) مستوى الجدل مع الفكر الديني الإسلامي من خلال مجادلة مذهب الطبيعة الواحدة. ودراسة أسلوب أبي قرة يدل على وجود هذين المستويين في حديثه اللاهوتي بأسره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت