لقد رأينا أبا قرة يحدث منهجًا لاهوتيًا جديدًا في تاريخ الفكر الديني عند العرب وهو يتناول المسائل الكبرى في اللاهوت المسحيي باللغة العربية. فيطرح علينا السؤال من كان جمهور أبي قرة؟ وهو سؤال لا بد لنا من النظر فيه ولو نظرة سريعة. فلمن كتب أطروحاته اللاهوتية باللغة العربية؟ وهذا السؤال مبرر. ذلك أن لغة الثقافة المسيحية الشرقية وناقلة الحركة الفكرية المسيحية في دائرة الخلافة العربية، كانت عصرئذ اللغة السريانية، وإلى حد ما اللغة اليونانية. فقد وردت باسم أبي قرة آثار لاهوتية باللغة اليونانية، ويذكر هو نفسه ثلاثين ميمرًا وضعناها باللغة السريانية (17) . فما زالت اللغة السريانية تقوم بدور ناقلة الفكر المسيحي والثقافة المسيحية حتى القرن السادس للهجرة وكانت اللغة الدارجة للمجتمعات المسيحية المقيمة بأراضي الدولة العربية حتى القرن الرابع للهجرة (18) . إن هذا الأمر وحده يبرر التساؤل عن أولئك المثقفين العرب الذين كانوا يحتاجون إلى مثل هذه الأطروحات اللاهوتية حول المسائل الكبرى للفكر المسيحي، إذ كان من المحتمل بل من الأكيد أن يكون المثقف المسيحي في ذلك العصر قد أجاد إحدى لغتي الثقافة المسيحية. فيمكننا القول بالجملة أن ظاهرة ميامر أبي قرة العربية بحد ذاتها تطرح مسألة الجمهور.