فهل تظهر المماثلة بالتناسب في آثار أبي قرة وكيف؟ إننا نكتشفها في بنية تفكيره اللاهوتي التي تتجلى في هيكل كتبه المنطقي. (فالميمر على سبيل معرفة الله) بني هيكله المنطقي على المماثلة بالتناسب. ذلك أن أبا قرة يرى في سبيل الشبه وسبيل الخلاف"دلالة على الله"فيدمجها في برهان وجود الله المبني على مبدأ العِلِّيّة حتى إن فكرة العلية تشتمل على المحاج كلها باعتبار أن سبيل الأثر له صدر المحاج (16) . ويظهر هذا الهيكل المنطقي بوضوح أكثر في (الميمر في وجود الخالق والدين القويم) الذي يربط صراحة بين المماثلة ومبدأ العلية. والفكرة الخلقية التي تكمن وراء بنية المحاج هذه إنما هي أن العلية والمماثلة مرتبطتان بل إن المماثلة بين الخالق والخلق مبنية على العلية. أو بالأحرى فإن الإنسان يشارك الله في صفاته من حياة وعلم وقدرة وغير ذلك ولكن على قدره ونحوه الإنساني. يرى أبو قرة تمام الوضوح أن المماثلة بالتناسب تتركب، على صعيد المنطق، من المماثلة بالنسبة ومبدأ العلية ولذلك يضم الأولى إلى الثانية في وحدة"الدلالة على الله".
يعتبر أبو قرة منهج المماثلة أداة للمعرفة أي وسيلة للحصول على علم ما وهو يقصر الوصول إلى معرفة شيء مجهول عن طريق قياسه على شيء معروف. واستعمال المماثلة هذا انتهاك المنهج على الأقل في الفكر اللاهوتي. وهذا أمر بيّن من تعريف المماثلة ( سبيل الشبه والخلاف) في حين أن القياس منصب على إبراز الشبه. لذلك لا يستوفي القياس المماثلة بل بالعكس يؤدي إلى أغلاط تفكيرية إذا طغى على التفكير. فقد رأينا أبا قرة يعي هذا الخطر عندما ينتقد منهج مذهب الطبيعة الواحدة. على أنه يقع في الغلط الذي ارتكبه، بعد خمسة قرون، فلاسفة المدرسة الأوروبية الوسطى، معتبرين مماثلة الوجود برهان وجود الله.
جمهور أبي قرة: