إن المنهج الموصوف بـ (سبيل الشبه) و (سبيل الخلاف) إنما هو (منهج المماثلة) أي منهج الاختلاف في الاتفاق. أما في مجال الفكر الديني فيقوم هذا المنهج في قياس الإلهيات على الإنسانيات، وأساس ذلك الاتفاق القائم بين الدائرتين عند اختلافهما. ويطبق أبو قرة هذا المنهج على قضية خطيرة في الفكر الديني الإسلامي، هي قضية الصفات الإلهية. فمعنى (مماثلة الصفات) هذه أن في حقيقة الإله شيئًا، مثَلُ نسبته إلى ذات الإله كمثل نسبة حياة الإنسان وقدرته وعلمه وغير ذلك إلى ذات الإنسان. هذه هي الفكرة الأساسية الكامنة في حديث أبي قرة عن الشبه والخلاف بين الإله والإنسان، وهذه الفكرة تفترض في نهاية الأمر النظرية الواقعية للمعرفة التي قد رأيناها آنفًا.
إن (الميمر على سبيل معرفة الله) ينهج منهج المماثلة كبرهان استدلالي على وجود الله. ونلقى هذا البرنامج يشكل أكثر منهجية في (الميمر في وجود الخالق والدين القويم) (13) . وينطوي هذا الكتاب على قسمين مختلفين في مضمونهما وصيغتهما الأدبية. فالقسم الرئيسي بحث فلسفي لاهوتي في معرفة الله ومنهج معرفته. فقد أدرج أبو قرة في هذا البحث الفلسفي القائم بحد ذاته نقاشًا جدليًا في الدين الحقيقي يحتوي على جدول الأديان والمذاهب المعروفة عصرئذ في الدولة العربية. وهنالك أدلة أدبية (الصياغة الأدبية المختلفة في كل من القسمين) وبنيانية (جدول الأديان والمذاهب يفصم وحدة السياق الفكري) ، على أن الأطروحة الفلسفية اللاهوتية كانت قائمة بحد ذاتها. ويؤيد هذه الفكرة المقارنة بين (الميمر في سبيل الله) و (الميمر في وجود الخالق والدين القويم) فيتبين أن الأول يغطي القسم الفلسفي اللاهوتي من ميمرنا هذا. يبدو إذن أن أبا قرة ضمر وثيقتين أدبيتين بعضهما إلى بعض في ميمره هذا.