ذلك أنه لم يتخلّ عن مضامين التراث التي وعاها ولا رفض قيم الحضارة الحديثة التي اطلع عليها وإنما كان وفيأ لمطالب الحياة المستجدة، أمينًا على خزائن التراث الرفيعة. وإذا لهج بعض الفلسفات الفنية الحديثة بفكرة"الالتزام"فإنا لنجد فنه من أوله إلى آخره ملتزمًا بحب الإنسان والسعي لإسعاده أيان كان. ينوه برفعته، ويشيده بسموه، ويوجهه إلى أنبل الغايات وأعلى المقاصد. وهو في أساليب تعبيره عن ذلك لا يقطع الصلة بين تشوف الحاضر وصور الماضي. هل أذكر عنوانات كتبه: رسالة الشرق، زبور العجم، تحفة الحجاز، جناح جبريل، الرسالة الخالدة؟؟ أو أذكر بعض القطع الشعرية الوجدانية الرقيقة مثل صدر الشاعر، الحكمة والشعر، العالم بلا قلب، ميلاد آدم، خمرة الشوق، النهر، قيمة الخطر، الوجود والعدم، مأدبة العشق، كلمة الحب!
لأورد ترجمة هذه القطعة الصغيرة"كلمة الحب"ذات الصور المحسوسة المتسلسلة يروي بعضها الخبر عن بعض، وكأنها لمعان البرق. يقول إقبال:
"عندي خبر هذه الكلمة. هي جذوة القلب. هي سر وليست بسر. أنا أنبئك بمن سمعها وأين سمعها. لقد سرقها الندى من السماء وأوحى بها إلى الوردة، وسمعها البلبل من الوردة، وحملها نسيم الصبا من البلبل".
كل قصائد إقبال جديرة بالعرض السليم والشرح الدقيق، ولكني أتجاوزها لأنوه بتعبير أصيل غدا متداولًا بين شعراء الشرق قديمًا والغرب حديثًا، وهو تشبيه النفس الإنسانية في تشوقها أنوار المعالي بالفراشة تطوف بالسراج المتقد المتلألئ. فكما أن الفراشة تطوف حول النور المتوهج ثم ترمي بنفسها في لتحترق وتضيء، كذلك النفس في سعيها نحو المعالي تحترق مأخوذة بسنا المثل العليا.