ثمة أمثلة متعددة على ذلك سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وفريد الدين العطار. وقد تناقل الباحثون التصوير البارع الذي صوره قديمًا أحمد الغزالي أخو أبي حامد صاحب الأحياء. وهو أن الفراشة تطوف عاشقة للنور. ولكن لهيب الشمعة ينعطف نحوها فيصطلمها ويتغذى بها. وهكذا يصبح العاشق قوتًا لمعشوقه وليس المعشوق قوتًا لعاشقه. وقد جاء الشاعر الألماني المشهور"غوتي"فاهتدى بأساليب العرب والفرس واطلع على اللغتين العربية والفارسية، وسمى إحدى مجموعاته الشعرية"الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". كتب في هذا الديوان قصيدة بعنوان"الشوق السعيد"اتخذ فيها الفراشة رمزًا لمن يعشق النور ويحترق به ليتحول إنسانًا أي إنسان لا مجرد طيف يغمره الظلام.
ولما جاء إقبال عبّر أوجز تعبير عن حكاية الفراشة المحترقة فهو يصرح بأنها تحترق لتصبح هي نفسها شعلة مضيئة كالشمعة نفسها. هذا هو الوصال الحقيقي. ولحظة الاحتراق أفضل من العيش أعوامًا دونه:
أحب احتراقي بنار اشتياقي
فناء الفراشة في النار يعلو ... حياة الجبان طوال السنين
ويقول أيضًا: ... القلب يصبح كله أنوارا
معنى احتراق القلب في الإخلاص أن
ولقد تحولت الفراشة شعلة ... لما أن احترقت فصارت نارا
هذا الاحتراق هو احتراق الحب. الحب المسكر المصطلم، حب الإنسان لأخيه الإنسان حتى لا يكون في الأرض ظلم ولا استغلال ولا طغيان. ... كمودة الإنسان للإنسان
إن الإنسان إمكانية مرمية في الكون كما يقول بعض الوجوديين. لنقل مع إقبال: ذاتٌ مرمية في الوجود تلتقي بمزاياها وخصوصيتها بخصوصيات الذوات الأخرى ومزاياهم. تتلاقى هذه الذوات ليسند بعضها بعضًا وتتضامن في معراج الرقي والتقدم فتسمو وترتفع جميعًا وهكذا يكون سر السعادة الخفي واكسيرها السرمدي في تلاقي هذه الذوات وتضامنها ومودة بعضها لبعض وهكذا يستبين معنى هذين البيتين لإقبال:
لم ألق في هذا الوجود سعادة
لما سكرت بخمرها القدسي لم ... أحتج إلى تلك التي في الحان