فهرس الكتاب

الصفحة 5656 من 23694

يتضمن لفظ الجهاد اعتماد القوة في تغيير الواقع: واقع النفوس الباطن وواقع الحياة الخارجية. ولما كانت الأديان ثورة على الفساد وإحلالًا للنظام والوحدة لزم أن تتضمن تعاليمها اعتماد القوة في ذلك. لم تكن المسيحية كلها سلامًا. فلقد جاء في إنجيل متى قول السيد المسيح:"لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلامًا. لم آت لألقي سلامًا لكن سيفًا."إن الإنسان قد يضطر إلى حمل السلاح دفعًا للظلم وتحقيقًا للعدل وحفاظًا على الكرامة الإنسانية. وقد نشأ في العصر الحاضر التفريق بين الحرب العادلة والحرب الغاشمة. فالحرب والعدة والسلاح أمور خارجية لقهر المعتدين والمفسدين. وكذلك هي رمز لقهر الإنسان عدوه الكامن في نفسه وهو التشتت والهوى والنزعات الفاسدة حتى يحل فيها النظام والعدالة والوحدة. فنهاية الحربين الخارجية والباطنة السلام. وإنما اشتق الإسلام من السلام وهو غاية النفس والمجتمع. ويبدو حرب الأعداء أمرًا يسيرًا بالنسبة إلى حرب شتات النفوس وتوزعها. لأنه متى توحدت النفوس وساورها النظام والعدالة سهل التغلب على العدو الخارجي.

ولهذا جاز استعمال لفظ الجهاد في الميدانين واعتبار جهاد النفس الجهاد الأكبر كما جاز اعتماد السلاح رمزًا للموعظة الحسنة والكم الطيب والحجة البالغة. وقد اشتق العرب من مادة فصل: الفيصل للسيف والمفصل بكسر الميم للسان وقالوا: قول فصل وفصل الخطاب وحكم فيصل. وجاء في أساس البلاغة: رب كلام بالمفصل أشد من كِلامٍ بالمقصل"وقالوا: سيف مقصل أي قطاع، ولسان مقصل أي حديد ذرب. ويؤيد صحة الرمز والاستعارة هذين عامة ما جاء أيضًا في رؤيا القديس يوحنا:"وفي يده اليمنى سبعة كواكب ومن فيه يخرج سيف صارم ذو حدين"فالسيف الخارج من الفم لا معنى له إلا الكلم ووصفه ذا حدين إشارة إلى قوة البناء وقوة التدمير فيه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت