من المعلوم أن سقراط منذ القديم قد اتخذ في الفلسفة شعارًا وهو"اعرف نفسك بنفسك."ولما جاء الصوفية المسلمون تجاوز أحدهم وهو يحيي بن معاذ الرازي هذا القول فنوه أن"من عرف نفسه فقد عرف ربه."ونحن نفهم من هذا القول أن سر النجاة وأكسير النجاح في غمار الحياة أن يسلك المرء السبيل الذي به يحقق ما يحسن من قيم رفيعة ومجد مؤثل فيستطيع أن يبني ولو حجرًا ما في صرح الحضارة الإنسانية بتعاضده هو وغيره من الناس حتى يتم الرقي ويطّرد التقدم. ذلك أن الطريق إلى الله بعدد نفوس بني آدم كما أشار إلى ذلك صوفي آخر. فالطريق الخاص بكل امرئ هو الذي يستطيع فيه أن يتقن عمله ويحقق جانبًا من المعالي، وإلا كان ضائعًا في ميدان الحياة مسلوبًا وهو لا يعي أن هذا الميدان هو درب الخلود.
القضية عند إقبال ليست مجرد معرفة فاترة تكشف دون أن تحفز، وتجلو دون أن تدفع. ذلك أن النفس إنما هي في ذاتها نفس بقواها الدافعة الحافزة الخلاقة. أنيتها حركة دائبة وجهاد متصل وتوتر ناشط وكفاح مستمر وشعلة متوثبة النور. كل ما يحول دون توهجها سفساف قبيح مرذول. وكل ما يقويها ويزيد في نمائها ويزكيها فهو سام مستحب. قد يتوهم الإنسان الوقت خطأ ممدودًا يقيسه بالليل والنهار فيقع في شباك الوقت. والحق أن الوقت هو الحياة، هو الأمل والعمل والسير والدأب. ولا خير في حياة تمضي في صمت وسكون واستخذاء. إن الذات لتقوى بتوليد المقاصد وإيجاد الرغبات وتجديد الأماني. والغايات الرفيعة الجميلة تستهوي أصحابها وتبعث فيهم معين القوة ورسيس العشق. هنالك شأن اسمه الخلود... وهو يتهيأ في أحضان هذه الحياة التي نحياها. يقول إقبال:"غص في البحر وحارب الأمواج فإن خلود الحياة في الكفاح. السكون محال في الأرض. انصرام الليل مؤذن بانبلاج الصباح. وآخر عهد البراعم أول عمر الزهر. كل شيء هنا يتغير ويتبدل."ويقول أيضًا:
لقد دفنوا في التراب البذور