أحب إقبال العرب وفُتن بلغتهم العظيمة، ولا غرو فهي لغة القرآن، لغة السماء زيادة على كونها لغتهم. وهو قد شحذ بأفكاره وأشعاره همم الهنود وأجج بحماسته عزائم الفرس وأطرب بنغماته الكواكب والأفلاك حتى وصلت إلى السماء السابعة. ولكنه تمنى لو تصل أصوات نايه الرخيم العذب القوي إلى مسامع العرب وتبلغ فحواها قلوبهم فيجمعوا شملهم ويعودوا أمة واحدة بعد أن صاروا أجزاءً متفرقة وأباديد، ويستأنفوا سبيل مجدهم الصاعد. لقد آلمه تفرقهم وتصدعهم فهو يتلهف على جمع شملهم ويناشدهم:
كل شعب قام يبغي نهضة
في قديم الدهر كنتم أمة ... لهف نفسي كيف صرتم أممًا
لقد انقطعت أوصال البلاد العربية وتوزعها الغزاة بعيد الحرب العالمية الأولى. وقع بعضها في مخالب الانتداب وبعضها في براثن الاستعمار فأصابت إقبالًا صدمة عنيفة ولكنه أبى أن يتشاءم أو يستسلم:"إن سقط جبل من المآسي على العرب فلا حاجة إلى العويل. إن الفجر لا يطل إلى بعد فناء آلاف النجوم."... فلم تَفنَ في لحدها الهامد
هذا وكل فيلسوف حق ومصلح كَفيّ لابد أن يفعم قلبه الأمل. يقول إقبال:
"أنا بشير زنابق الربيع"
يتوقد ضرام الحب في قلبي
لا تأنفْ من اليوم إن وجدتني وحيدًا
سوف تتوالى قوافل الورد تترى من بعدي""
الورد يتلو الزنبق
حتى في أنقاض الدمار كان إقبال يلمح شعاع أمل لحياة جديدة أكثر حركة وأشد عزمًا وأبهى إشراقًا من الماضي.
شُهر عن إقبال أنه شاعر الإسلام وفيلسوفه الكبير الحديث. ولكنه عندنا شاعر العشق وفيلسوف الذات. إنه فيلسوف الإنسان وشاعر المحبة الإنسانية يتجه إلى الإنسان ليجلو عن ذاته الصدأ والخمود ويبث في روح المحبة وعزيمة العشق. ونحن يهمنا أن نبين ولو بإيجاز السبيل الفكري الذي يسلكه في الإصلاح.
إن هذا السبيل هو النفوذ إلى نفس المرء وشحذ ما فيها من ذاتية مفردة ودفعها في ميدان الأمل والعمل والإقدام والعزة والرقي.