لقد قلّ أن يجتمع لإنسان ما اجتمع لإقبال من مواهب فطرية وعبقرية عالية وثقافية واسعة. كان عالمًا ضرب بسهم وافر في ميدان الثقافة الإنسانية الزاخرة، مطلعًا على تاريخ الفكر الفلسفي الشرقي ولاسيما الإسلامي وبخاصة التصوف، وكذلك على تاريخ الفكر الغربي واعيًا لمكاسب الفكر الحديث حتى آخر المكاسب العلمية الفكرية. ونحن الذين نفخر بأنادرّ سنا ما راج في العصر الحاضر من عناصر نظرية المعرفة وفلسفة الفيزياء الحديثة وقد بدلت وجه العالم ولاسيما في نهاية الربع الأول من هذا القرن نجد آثارًا لها وإشارات إليها في كتابات إقبال. ونحن نعلم أن إقبالًا توفي سنة 1938 أي أنه لم يغفل عن معالم الفكر الحديثة أيان نجمت وأنّى برزت.
وكان إلى ذلك شاعرًا من أكبر شعراء عصره. بل كان أكبرهم وأوسعهم أفقًا وأعمقهم شعورًا وأشدهم سموًا. وإذا كان الشعراء يكتبون أشعارهم بلغة واحدة فقد أتيح له أن يكتب أشعاره بالفارسية والأردية وأن يكتب إلى ذلك بحوثًا فلسفية واجتماعية وسياسية بالإنكليزية فضلاًَ عن معرفته لغات أخرى كالألمانية والفرنسية وإلمامه بالعربية والسنسكريتية.
وهكذا تضافرت الثقافية الواسعة والموهبة الشعرية النادرة والفلسفة المتأملة الواعية والإيمان العميق الدقيق في تكوين هذا المفكر الفيلسوف المصلح الشاعر العظيم.
إنه في الشعر والفلسفة الفارسيين يلحق بالشعراء الأفذاذ العالميين ولاسيما بجلال الدين الرومي الذي كان إقبال معجبًا به ـ ومن منا لا يعجب بمولانا جلال الدين ـ وإن كان يختلف عنهم باختلاف العصر وصروف المجتمع وفي شؤون أخرى عدة ولا سيما في توكيده مكانة العمل وإلحاحه على فكرة الذات وتفردها وهو في هذا الشأن يقترب من الشيخ محيي الدين بن عربي كما يختلف عنهم جميعًا في الاستفادة من الفكر الحديث ومن مكاسبه.