وإذا كان السماع يتعلق بضروب المستمعين فلا شك أن أعلى المراتب"سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه سبحانه ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه. فالسماع في حقه مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه وحبه ومُورٍ زناد قلبه ومستخرج منه أحوالًا من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كَلَّّ حسُّه عن ذوقها. وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدًا مأخوذًا من الوجود والمصادفة أي صادف من نفسه أحوالًا لم يكن يصادفها قبل السماع الخ...".
وإذ أطلق المؤلف لفظ عشق الإنسان لله وهو ما يرفضه أصحاب المذهب الظاهري والحنابلة فإنه يذهب على خلافهم إلى أن اسم العشق على الله حقيقة وعلى غيره مجاز محض. ثم يتشدد فيقرر أن الناقص القريب في نقصانه من البهيمة قد لا يدرك من لفظة العشق إلا طلب الوصال الذي هو عبارة عن تماس ظواهر الأجسام وقضاء شهوة الوقاع."فمثل هذا الحمار ينبغي ألا يستعمل معه لفظ العشق والشوق والوصال والأنس بل يجنّب هذه الألفاظ كما تجنب البهيمة النرجس والريحان وتخصص بالقش والحشيش وأوراق القضبان. فإن الألفاظ إنما يجوز إطلاقها في حق الله تعالى إذا لم تكن موهمة معنى يجب تقديس الله تعالى عنه. والأوهام تختلف باختلاف الأفهام".
ومما أنكروه عليه قوله في الأحياء في صدد فائدة الخلوة مع رفع الشواغل وضبط السمع والبصر وتفريغ القلب بالرياضة:"وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم وإن لم يكن له مكان مظلم فيلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكسائه أو إزاره ففي هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية". وفي رأينا أن المراد بالخلوة التعرض للإلهام وحل بعض القضايا المستغلقة والنجوى الخفية الروحية القوية.