فهرس الكتاب

الصفحة 5344 من 23694

وأنكروا عليه إيراده في الأحياء قول أبي سليمان الداراني:"من تزوج فقد ركن إلى الدنيا". والزواج من سنة الرسول. وعندنا أن الغزالي يريد مع أبي سليمان أن ينبه المتزوج على ألا يشغله زواجه عن دينه.

وثمة اعتراضات شبيهة تصل إلى العشرين يوردها الحنابلة لا حاجة لعرضها لأن أخذ بعض الجمل والأفكار منتزعة من سياقها ومن نطاق فلسفة المؤلف ونظام آرائه تنطع وتجن لا مسوغ لهما ولاسيما إذا كان المؤلف من أمثال أبي حامد.

كل ما نريد هنا في الختام أن نناقشه فيه هو أنه ألجم العوام عن علم الكلام وهو في ذلك على صواب فإن خوضهم في هذه الأمور يبعث على الفوضى والاضطراب وعدم التدقيق والإبهام. فلكل ميدان رجاله ولكل حلبة فرسانها. وهو قد كتب للملك محمد أحد ولدي ملكشاه وقد أسلفنا حروبه مع أخيه كتابًا باللغة الفارسية ترجم قديمًا إلى العربية"التبر المسبوك في نصيحة الملوك"وفي هذا الكتاب كما في غيره يريد أن يثبّت ما استطاع بقلمه المؤمن البليغ كيانًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بدأ يتداعى حتى أنه لمس خواءه فلجأ إلى الاعتزال كأنه يئس من صلاحه فهلاّ لجأ في كتاباته في جانب الإلجام إلى بيان حقوق الشعب والعوام على الملوك والأمراء وإلى حث الشعب على المطالبة بها؟ نظن أنه لو بدأ بالاعتزال والتأمل قبل بلوغ المجد الاجتماعي الخاوي لفعل ذلك ولناضل مع الشعب ولكنه إذ ذاك ربما تعرض للحبس والاعتقال أو القتل. إن عصره عصر الملوك لا عصر الشعوب، عصر التحكم لا عصر الشورى.

وأيًا كان الأمر فليس لنا إلا أن نعجب ببحوث أبي حامد الخالدة وكتبه ورسائله وفتاويه الآبدة وغوصه على دقائق الفكر والفلسفة ومشكلات النفس والاجتماع فعل الغواص الماهر الذي يعرف كيف يلتقط اللآلئ والجواهر. أوليس لنا حين كسر مغزله إذ لم يجد نساجًا لغزله الدقيق أن نحييه في ختام هذا الحديث تحية شعرية أوحى هو بها إلينا تلخص أعماله وعصره وعبقريته:

رأيتَ بحارًا للعلوم فخضتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت