ومما أنكروه عليه قوله: يباح للصوفية تمزيق ثيابهم عند غلبة الحال. والعبارة التي وردت في حجج القائلين بتحريم السماع في الأحياء هي:"فإن قلت: فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعًا صغارًا ويفرقونها على القوم ويسمونها الخرقة؟ فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعًا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الكرباس (أي الثوب) يمزق حتى يخاط منه القميص ولا يكون ذلك تضييعًا لأنه تمزيق لغرض. وكذلك ترقيع ما لا يمكن إلا بالقطع الصغار وذلك مقصود، والتفرقة على الجميع ليعم ذلك الخير مقصود ومباح. ولكل مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة ويعطيها لمائة مسكين. ولكن ينبغي أن تكون القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع. وإنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه بحيث لا يبقى منتفعًا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار". وليس في هذا ما ينكر ما دام التضييع منفيًا. ثم إن اللباس قد تختلف أزياؤه في العصور وبين الطبقات الاجتماعية. وإنا لنرى في الوقت الحاضر من هم حريصون على لباس سراويلات"الجنز"ولاسيما إذا كانت ماحّة وبادية الرثاثة.
وهؤلاء الذين انتقدوه في إباحة تمزيق الصوفية ثيابهم عند السماع لم يكونوا راضين في الأصل عن إباحة السماع. ومن المعلوم أن الفقهاء في المذاهب الأربعة يكادون يتفقون على كراهيته بل يذهب بعضهم إلى تحريمه. وقد أورد مؤلف الأحياء فصلًا في كتابه هذا بعنوان"آداب السماع والوجد"يُدرَك منذ الاستهلال موقفه في إباحته حين يقول:"إن القلوب والسرائر خزائن الأسرار ومعادن الجواهر."