أجل لقد بلغ الغزالي في نحو أربع سنوات بقلمه وبلاغته وذكائه قمة الشهرة والسؤدد العلميين. وكأنه شعر بفراغ ذلك كله وخوائه فأراد أن يقلب الأمر فيطرح ما نال من الدرجة الرفيعة ويسلك سبيل التزهيد والتصوف لعله يمسك بكنه الوجود الحق من الباطن بعد أن أمسك بمظاهره الشكلية المغرية. خامرته عندئذ أزمة نفسية بدأت في رجب سنة 488 واستمرت حتى ذي القعدة من السنة ذاتها أي نحو ستة أشهر تتنازعه فيها شهوات الجاه والمال في بغداد عاصمة الدنيا إذ ذاك والرغبة في الهرب من الشواغل والعلائق حتى أفضى هذا التنازع به إلى السقم واعتقال اللسان وخمود قوى الجسم وهو يصف تردده ببيانه البليغ فيقول قول من يحاسب نفسه أشد المحاسبة:
"ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت فتيقنت أني على شفا جرف هارٍ وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يومًا، وأحل العزم يومًا، وأقدم فيه رجلًا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتُفَتِّرها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل! فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية وينجزم العزم على الهرب والفرار."