ثم إن الغزالي لم يقبع بعد ذلك في بلده بل قدم نيسابور قاعدة خراسان طلبًا للعلم فلازم رئيس الأشاعرة أمام الحرمين عبد الملك الجويني وجد واجتهد حتى برع في مختلف العلوم النقلية كما برع في العلوم العقلية ولاسيما المنطق والجدل والفلسفة وأحكم كل ذلك وفهم كلام أرباب هذه العلوم العقلية وتصدى للرد على مبطليهم وإبطال دعاويهم. وكان أستاذه أمام الحرمين يعجب به فيقول: الغزالي بحر مغدق. ويقول أيضًا: الحدسيات للغزالي. بل كان يفتخر به في الظاهر ويغار منه في الباطن. ولما مات أستاذه أمام الحرمين عام 478 خرج الغزالي وهو في سن الثامنة والعشرين إلى المعسكر وهو ميدان واسع بجوار نيسابور أقام فيه الوزير السلجوقي نظام الملك معسكره. وهذا الوزير هو ما هو في العلم وحب نشره والولع بالبحث وإكرام العلماء. وكان مجلسه مجمع أهل العلم وملاذهم، فناظر أبو حامد الأئمة العلماء في مجلسه وقهر الخصوم وظهر كلامه عليهم واعترفوا بفضله وتلقاه الصاحب أي الوزير بالتعظيم والتبجيل وولاه التدريس في مدرسته ببغداد وطلب إليه التوجه إليها فقدم بغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة وهو في الرابعة والثلاثين ودرس بالنظامية. وذكره مترجموه أنه قد"أعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله وفصاحة لسانه ونكته الدقيقة وإشاراته اللطيفة وأحبّوه وأقام على تدريس العلم ونشره بالتعليم والفتيا والتصنيف مدة عظيم الجاه زائد الحشمة عالي الرتبة، مسموع الكلمة مشهور الاسم تضرب به الأمثال وتشد إليه الرحال"حسب ما جاء في طبقات الشافعية.
وجاء أيضًا في كلام خطيب نيسابور عبد الغافر الفارسي وكان معاصرًا للغزالي قوله فيه وقد نقله السبكي:"وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة". وهذا تنويه بمكانة العلم واحترام العلماء وبالمجد الذي تبوأه أبو حامد إذ ذاك.