قال الغزالي: فقلت هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري. فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع الطريق لم أتجرد من علمي.
وهنا ننتبه لموقف الغزالي الحريص على العلم كحرصه على حياته. فهو ينزل لقطاع الطريق عن جميع ما معه ويخاطر بحياته فيسألهم أن يردوا عليه تعليقته فقط. ثم ها هو ذا يفيد من هذه الحادثة فيستظهر بعد رجوعه ما علّقه إذ يدرك أن العلم كما قالوا إنما هو في الصدور لا في السطور.
وهنا أيضًا نحتاج إلى إيضاح مشكلة. فقد روى مترجموه ومنهم السبكي وابن الملقن أنه هاجر إلى جرجان ليأخذ العلم عن أبي نصر الإسماعيلي، كما مر آنفًا وكما يذكر الرواة.
وقد رجعنا إلى"تاريخ جرجان"لحمزة بن يوسف السهمي وإلى كتاب"الأنساب"للسمعاني وإلى"سير أعلام النبلاء"للذهبي فوجدنا إجماعًا على وفاة أبي نصر الإسماعيلي الجرجاني عام 405 أي قبل ولادة الغزالي بخمس وأربعين سنة وعلمنا من تصفح هذه الكتب المهمة أن أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي من كبار أئمة العلم توفي عام 371، وأنه جاء منه جماعة كلهم أئمة وعلماء منهم أبو نصر محمد بن أحمد الذي ذكر العلماء أنه من مشايخ الغزالي وذلك سهو، ومنهم أبو سعد إسماعيل بن أحمد الذي توفي عام 396 ولهذا ولدان معروفان أحدهما أبو معمر المفضل بن إسماعيل توفي عام 431 والثاني أبو الفضل مسعدة بن إسماعيل. ولمسعدة هذا ولد هو أبو القاسم إسماعيل كان رئيسًا وعالمًا كبيرًا وينقل السبكي عن أبي محمد الجرجاني أن أبا القاسم انتهى إليه في ذلك الوقت الدرس والفتوى والإملاء وأنه كان قد سمع أباه وعمه المفضل وحمزة بن يوسف السهمي وغيرهم توفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة. ونظن أنه هو الذي درس الغزالي عليه.