ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حال عارضة. إياك أن تطاوعها فإنها سريعة الزوال فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي من التكدير والتنغيص، والأمن المسلّم الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفتت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة"."
ويقال في أزمته النفسية التي حولته إلى الزهد أنه كان ذات يوم يعظ الناس فدخل عليه أخوه أحمد وأنشده:
أخذت بأعضادهم إذ ونوا
وأصبحت تهدي ولا تهتدي ... وتُسمع وعظًا ولا تسمع
فيا حجر الشحذ حتى متى ... تسنّ الحديد ولا تقطع
فتأثر بذلك وزلزل زلزالًا شديدًا حتى ترك علائق الدنيا. ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
أجل بعد ذلك التردد الطويل المضني غلب عليه الإعراض عن الجاه والمال والأولاد ورمى كل ذلك وراء ظهره. ومهما تمحّل بعض الباحثين في التماس أسباب هذا العزم فلاشك أن جوهر ابتغاء نوع من المعرفة لا يتم إلا بالسلوك إذ كان يقول:"التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي لا باختياري وحيلتي".
وكان قد طالع كتب الصوفية مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي وغير ذلك من كلام مشايخهم وعلم أن أخص خواصهم لا يمكن الوصول إليه بالتعلم ومجرد النظر بل بالذوق والحال والسلوك وتبدل الصفات. وكم من الفرق بين أن يعلم المرء حد الصحة وحد الشبع وأن يكون صحيحًا وشبعان على حد تعبيره:
لا يعرف الوجد إلا من يكابده