وخلص المؤلف في مقدمته إلى القول:"حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن، ومن بعدهم، مما بلغني خبره إلى عصرنا هذا ليعلم صاحب تلك المقالة أن الله قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقل نظيره من أهل العلوم المتقدمة" (35) .
يبدو أن طائفة من العلماء الآخرين كرهوا قصر التجديد على إمام واحد في قرن واحد، ورأوا أن بعث التجديد يجب أن يضطلع به أكثر من واحد، وذلك لتعدد المظاهر الاجتماعية والدينية.
إن هذه الثورة الإصلاحية في التجديد كانت تمثل الديمقراطية الدينية التي نادى بها بعض العلماء، فقد أعادوا النظر في حديث الرسول (ص) ، وناقشوا مفهوم (من) الموصولية، وذكروا أنها- اصطلاحًا- تقع على الواحد والجمع، والأولى فيها العموم لا التخصيص كما رأينا ذلك من قبل.
ولم يقتصر الأمر على هذا المفهوم الاصطلاحي، بل ذكروا أن التجديد لا يختص بالفقهاء وحدهم وإنما يشمل المبرزين في شتى المجالات الحضارية سواء كانت دينية أم غير دينية.
وهكذا يتضح مما تقدم معنا رأي العلماء أصحاب نظرية التخصيص في التجديد والاقتصار على المجدد الواحد على رأس كل مائة عام، ورأي أصحاب نظرية التعميم في التجديد وجعله شاملًا لكل المظاهر الحضارية، وجدير بالذكر أنهم من مذاهب متباينة وطوائف مختلفة.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير:"قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين، ومحدثين، وفقهاء، ونحاة، ولغويين" (36) .