لا أظن أن ثمة من يماري في أننا ينبغي أن نحفظ هويتنا الثقافية، وأن ننتمي إلى عصرنا الحاضر في الوقت نفسه. وإذا كان الانتماء إلى هذا العصر يقتضي منا الانفتاح على ما يجري فيه في مختلف المجالات واستيعابه والإفادة منه على النحو الصحيح، فإن الحفاظ على هويتنا الثقافية يقتضي منا أيضًا الانفتاح على ثقافتنا في مختلف عصورها ووجوهها وجوانبها واستيعاب كل ذلك والإفادة منه على النحو الصحيح أيضًا. ومن خلال عملية التفاعل بين هاتين العمليتين: الانفتاح على أعماقنا الثقافية من جانب، والانفتاح على معطيات الثقافة المعاصرة من جانب آخر نستطيع أن نحفظ وجودنا الثقافي كعرب وأن نضمن استمرارية هذا الوجود وتتابعه حتى نسهم فيما بعد في إغناء الثقافة العالمية المعاصرة على النحو الذي أغنى به أجدادنا ثقافتهم العالمية المعاصرة، وبالتالي نستطيع أن نزعم لأنفسنا أننا قد انتمينا حقًا لهذا العصر.
ولكن كيف السبيل إلى انفتاحنا على ثقافتنا الممتدة على عدة قرون انفتاحًا يكون ذا جدوى؟...
من الطبيعي أننا عندما نتحدث عن ثقافة ممتدة على قرون عديدة، فإنما نعني في الواقع الصورة التي كوّناها في أذهاننا عن هذه الثقافة. وهي صورة أملتها المواد والمعطيات التي توفرت لنا عن هذه الثقافة. ولاشك أن طبيعة هذه المواد وحجمها وشموليتها واستمراريتها، وغير ذلك من أمور تحدد طبيعة هذه الصورة وتضاريسها الكبرى، وأن أي تغير يطرأ على أوضاعها سوف يؤدي إلى تغير في الصورة التي نعرفها عن هذه الثقافة. وبالتالي فإن استقصاء مصادر الثقافة العربية هو الخطوة الأولى في الطريق نحو تكوين صورة حقيقية عن هذه الثقافة: صورة مستمرة متتابعة ونامية وليست الصورة التي نعرفها الآن والقائمة في الواقع على مصادر محدودة جدًا إذا ما قيست بما يمكن أن يتوفر من هذه المصادر لو كان لها أن تلقى الاهتمام الجديرة به.