هذا، وإنما أشرنا إلى أن ما قيل في"أساسيات"القرآن الكريم، وأصوله العامة الثابتة، هو مقول أيضًا، في"نقائض"تلك الأصول من الجرائم والمعاصي، والمنكرات وكبائر الإثم، من قِبَلِ أنه لا يشتبه على الأجيال البشرية المتعاقبة عبر القرون، أن تلك"النقائض"قبائح، بوحي الحاسة الفطرية أيضًا، يرشدك إلى هذا، قوله (:"الإثم ما حاك في صدرك، وكرهتَ أن يَطَّلعَ عليه الناس"، فليس من المتصور إذن، أن يستسيغ العقل، أو يستمرئ الوجدان شيئًا من المحرمات، أو مقارفة الفواحش والبغي، أو أن تستجيب لذلك الحاسة الفطرية، لأن الأصل فيها"الخيرية"وهذه مضار ومفاسد بينة من شأنها أن تفتك بالنفس والجسم معًا، وتشل طاقاتهما، أو تحمل النفس على أن تغتال حقوق الغير وتهضمها، أو تصرف عن اكتساب المال والمنافع واستثمارها من خلال الطرق المشروعة، أو تبعث على الاجتراء على الحرمات، فتسفك الدماء، وتدمر العمران، وتهتك الأعراض، وتستبيح ثروات الشعوب المستضعفة والمقهورة في الأرض، وتقتلعها من ديارها، لتستوطنها، وتحطُّ من الكرامة الآدمية التي ميز الله بها بني آدم، ثم تأتي تلك المفاسد، وكبائر الإثم، والطغيان آخر الأمر، على المجتمع البشري كله، فتدمره، تدميرًا ـ على حد تعبير القرآن الكريم ـ لفقدانه ما به قوام إنسانيته من القيم والمثل العليا الخالدة، ولا قيام لشيءٍ ما، دون عناصره التكوينية، ولذا ترى القرآن الكريم طافحًا بالآيات التي تُنذر الناس من مجرد التفكير في مقارفتها أو عقد العزم على ارتكابها، فضلًا عن التردِّي في حمأتها، ولا تني هذه الآيات الكريمة تلفت الإنسان إلى أن ينتقل بعقله، ونفسه، ووجدانه، ومدارك حسه إلى وقائع التاريخ ـ حتى الموغلة منها في القدم ـ مما كان أثرًا حتميًا لفاعلية الإنسان على مسرح هذا الوجود، ليلتمس منها"العبرة"وليدةً للبحث والنظر العلمي، وليستخلص بَعْدُ، ما يسلك هذه الوقائع الجزئية، وآثارها، من"القانون"