من الثابت أن"المُحرمات"والجرائم، وكبائر الإثم، وسائر المعاصي، لا يتعلق بها مصلحة إنسانية ينشدها عقل رشيد، أو طَبْع سليم، أو ضمير إنساني حيٌّ، وإنما هي مبتغى للشهوات حين تطغى منازعها على سؤدد العقيدة، وحكمة العقل، ويقظة الضمير، وهذه هي الغفلة السادرة، والغرور الذي يستبد بمجامع النفس، وحينئذٍ تصبح الدنيا على هذا النظر،"متاع الغرور"ـ على حد التعبير القرآني ـ في مثل قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور( في حين أن الحياة الدنيا، والكون، وموجوداته، ومافي السموات والأرض، آيات للموقنين، وإن هذه الآيات الدالة على عظمة الخالق، وبالغ حكمته، ومُحكم تدبيره، مادة للنظر العلمي الموصل إلى الحقائق العقلية، وهذه الحقائق العقلية بدورها سبيل مفض إلى الحقائق الروحية، على ما سيأتي بيانه، وصلًا للإنسان بالكون، وحثًا له على التصرف فيه، تعميرًا وتحضيرًا، بل وعلى الإقبال على الحياة، انتفاعًا، بمقتضى قوله عز وجل: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها (( 37) أي طلب إليكم إعمارها، وتحضيرها، كما أسبغ على الأناسي نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة، للتصرف والانتفاع، بدليل امتنانه تعالى على الخلق بهذه النعم، لقوله عز وجل: (هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعًا((38) ولا امتنان في غير إسباغ النعم، يؤكد هذا أيضًا قوله عز وجل: (وإنْ تَعُدُّو نِعمةَ الله لا تحصوها(، وقوله سبحانه: (لئن شَكَرْتِم لأزيدنَّكُم (( 39) مما ينبئ أن مراد الشارع هو التمتع بالطيبات دون سرَف أو بطر أو مجاوزة للحدود، أو مجانفة لإثم، لِمَا أن الآثام والفواحش ليست في صالح البشرية على الإطلاق، وإن الجنوح إليها، ومقارفتها، إنما هو بدافع الشهوات العارمة، مصداقًا لقوله سبحانه: (ويريد الذين يتبعون الشهوات، أنْ تَميلوا ميلًا عظيمًا (( 40) ، أي عن سنن الله تعالى في الوجود البشري.