على أن تلك الأصول العامة الثابتة في حقائقها ومضامينها، مما يطلق عليه"الحق"و"البصائر": (قد جاءكم بصائرُ من ربكم(،"والبيّنات"، فضلًا عن ارتباطها بالله تعالى مباشرة، من خلال وحيه المنزل، كما أشرنا، تراها مرتبطة أيضًا بالحاسة الفطرية في الإنسان، لقوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة (( 34) ، مما يكفل ثباتها، لثبوت مُتعلَّقها، كما يضمن"استمرارية"تحقيقها في المجتمع البشري في كل عصر وبيئة، لسبب بسيط، هو أن ما يتعلق بالفطرة لا يتبدل، ومن هنا، تدرك السر في ربط القرآن الكريم بين الدين والفطرة ـ على ما بيَّنا ـ أي بين أصوله العامة الثابتة التي تعتبر من الأساسيات وقواطع الدين، وبين الفطرة الإنسانية التي أُعدت إعدادًا خاصًا، وفي أحسن تقويم، لهذا التشريع الذي أُنزل على قدرها، فكما أنه ليس في الوسع تبديل الخلق والفطرة، (لا تبديل لخلق الله (( 35) ، بل لا يُعقل ذلك، لأنها في أحسن تقويم، بل هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، وإنها (صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة (( 36) . كذلك لا يجوز تبديل أساسيات الدين، عن طريق الاجتهاد بالرأي فيها، لأن ما شرعت له قاطع وثابت، ولأن الإسلام هو"الدين القيِّم"لقوله تعالى: (ذلك الدين القيم( والقيِّم لا يجوز ـ في منطق العقل ـ تبديل غيره به، أو التجاوز على حدوده، فضلًا عن أن ما يناقض الفطرة من التشريعات، والتوجيهات، لابد أن ترفضه الفطرة نفسها، وتأباه، فلن يكتب له ديمومة ولا بقاء، لمنافاته للطبيعة البشرية نفسها ـ كما قدمنا ـ ولأن الشيء لا يثبت مع ما ينافيه، والتشريع الإسلامي ما أُنزل إلا على قدرها، لمعالجتها، وتوجيهها وتدبير الأمر فيها، حين تغدو مدخولة بعوامل خارجية تُفسد عليها أمرها، على ما سيأتي القول فيه مفصلًا في مقامه.