أولهما: أن أصوله العامة وفروعه المنصوص عليها بصورة قاطعة ـ كيلا تكون مجالًا للاجتهاد بالرأي، والاختلاف في تحديد مدلولاتها، من مثل تفاصيل أحكام الأسر التي هي أساس بنيان المجتمع، ونظام الإرث الذي يتعلق بتوزيع الثروات والممتلكات، بما له من مساس بالنظام العام في الدولة، والمحرمات التي تصون الحرمات من الأعراض، والأموال والأنفس وغيرها كثير ـ أقول أن تلك الأصول العامة الثابتة، والفروع المنصوص عليها على نحو قاطع مما لا يحتمل تأويلًا، ولا تبديلًا، تتعلق بها ـ في الواقع ـ مصالح إنسانية ثابتة على الدهر، قد حذر القرآن الكريم من تبديلها: (لا تبديل لكلمات الله (( 24) ، وأطلق عليها كلمة:"الحدود": (تلك حدود الله، فلا تعتدوها (( 25) ، لما ينجم من الافتئات عليها، من قلب الأوضاع، واختلال الموازين في المجتمع، وفوات مصالحه الجوهرية، بحيث يفضي ـ آخر الأمر ـ إلى التهافت والانهيار، بشيوع الفوضى، وتسافك الدماء، وهذا مآل لا يجوز المصير إليه بحال، شرعًا وعقلًا، وذلك من مثل: أصول العدل، والحق، والمساواة، والحرية، والعصمة، والملكية الفردية المقيَّدة، والتكافل الإنساني، والتواصل الحضاري، مما يعتبر تعاونًا على البر في أوسع مدى، وأمهات الفضائل، وأصول الأخلاق من"الإحسان"، بإزاء العدل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان (( 26) .