على أن مما يوضح هذا النظر، بل ويؤكده، أن مبدأً من مبادئ الإسلام، أو مفهومًا عامًا من مفاهيمه الكبرى، أو مقصدًا من مقاصده الأساسية والفرعية، لم يكن يومًا عَصِيًَّا على التطبيق، أو يناقض الفطرة الإنسانية في أيٍّ من مقتضياتها وحاجاتها، ومطالبها الحيوية، مما يطلق عليه الأصوليون والفقهاء، لفظ"المصالح"منذ عهد الرسالة حتى يومنا هذا، بل وحتى تُبدَّل الأرض غير الأرض، والسموات، لما أسلفنا، من إمكانية تحقق الامتزاج واقعًا وعملًا، بين حقائقه وقيَمه، وبين مقومات الفطرة.
هذا، ومن الثابت، أن كل ما يناقض الفطرة الإنسانية، ترفضه وتأباه ولن يكتب له ديمومة ولا بقاء.
د ـ كون الإسلام خاتم الرسالات، يستلزم هذا التطابق بين الفطرة وهذا الدين، تفسيرًا منطقيًا معقولًا لانقطاع الوحي.
وبيان ذلك: أن كون الإسلام قد جاء خاتمًا للرسالات، وأنه"كلمة الوحي النهائية"، إلى البشر كافة، يستلزم هذا التطابق بين مقومات الفطرة وبين حقائق هذا الدين، تفسيرًا منطقيًا معقولًا، لانقطاع الوحي، ولسبب بسيط هو: إن ما يلبي حاجات الفطرة ومطالبها، الحيوية ـ إذ قد شُرع الشرع على قدرها ـ حريٌّ أن يتسم بالكمال، وأن يتميز بالخلود، وهذا هو المشار إليه في قوله عزَّ شأنه: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلام دينًا (( 23) ، وليس بعد الإكمال والإتمام شيء يُبتغى، هذا من حيث النظر المنطقي.