على أن طبيعة هذه"الملكة النفسية"التي هي إكسير معالجة النفس الإنسانية ـ على ما أشار إليها القرآن الكريم، من كونها فرقانًا ـ هي قوة روحية تُقْدر صاحبها ـ كما قلنا ـ على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحكمة والهوى، فيصلًا حاسمًا يتفق مع"الفرقان"الموحى به، في قوله تعالى: (تبارك الذي نَزَّلَ الفرقان على عبده، ليكون للعالمين نذيرًا(. وقوله عز وجل: (هدى للناس، وبيناتٍ من الهدى، والفرقان(، وهذان الفرقانان، أعني الفرقان الموحى به، والفرقان النفسي، من المحال أن يتناقضا، بل هما متطابقان ـ جوهرًا وغاية ـ لوحدة المصدر، ووحدة التعاليم والقيم، مفهومًا وأثرًا، أو معنى وما صدقا من جهة، ووحدة مقومات الفطرة المتفاعلة معها من جهة أخرى، وفي هذا ما فيه، من سداد التوجيه الناشئ عن صياغة النفس الإنسانية، على عين المثل العليا ـ نظرًا وعملًا!!...
أما من حيث النظر، فيتبدَّى ذلك في التفهم العميق المُدْرِك لحقائق الوحي الإلهي، بإخلاص وموضوعية وتجرد، بحيث تتمثلها النفس الإنسانية، وتتفاعل معها، لتصبح روحًا يسري في كيانها، كما بيَّنا وبدون هذا التفهم العميق يكون الأداء آليًا أصم، لا روح فيه، وما لا روح فيه لا أثر له ولا غاية، ولا يقوى بالتالي على أن يكون تعبيرًا عن القيم والمثل العليا.
وأما من حيث العمل، فلأنها منطلقات، بل هي مُوجبات المواقف الحيوية الحاسمة تُجاه وقائع الحياة، بحيث تجسدها وضعًا قائمًا فيها، بما اشتملت عليه من معنى، واستهدفت من غاية.
هذا، وإذا كانت"التقوى"هي مِلاكَ تلك"المواقف"وروح العمل الصالح المقرون بالإيمان الصادق، كان الاستواء في أصلها، بين المجتهد وغيره، أمرًا محتومًا، لوحدة المعنى، مع ما تقضي به من التفاوت، سَعَةُ المَدارك لدى كل منهما.