شهداءَ لله، ولو على أنفسكم(، وليس من معدن الشّر يُبتَغى العَدْل، أو الخير، كما لا يُتصور أن يتحقق بينهما مواءمة ولا امتزاج، فكيف يقع التكليف بالمحال، وذلك ما لا يتسق ومنطق طبائع الأشياء.
على أن الفطرة من خلق الله، ولا مدخل للشر في صُنعه، سبحانه، لأنه منزَّه عن النقائص.
3 ـ التنسيق بين معاني الآي التي تلونا آنفًا، بما أشكلت ظواهرها، حتى كانت منشأ تضارب آراء العلماء بصدد تحديدهم لطبيعة الفطرة الإنسانية من خلالها، ذلك التنسيق الذي يبين المراد الحقيقي للشارع منها.
4 ـ ورود وصف الإنسان بالنقائص، وبصيغة المبالغة ـ في القرآن الكريم ـ لا يغير من حقيقة الفطرة شيئًا، من حيث أنها مفطورة على الخير المحض الذي لا مكان للشر فيه أصلًا ـ كما قلنا ـ وإن ورود وصفه بذلك ينطوي ـ في الواقع ـ على سر بلاغي يدركه ذوو الإحساس المرهف بوجوه تصاريف البيان، بما يتركه هذا الأسلوب البياني من وقع على الوجدان، ومن أثر يوحي بحقيقة المعنى المراد، وهو هنا، قائم على المجاز والتشبيه بالدليل الصارف، لا على سبيل الحقيقة، وبذلك يرتفع التعارض بين ظواهر الآي التي تؤصل خيرية الفطرة، وبين تلك التي تصفه بالنقائص وصفًا مبالغًا فيه، وإن صدوره عنها هو دأبه، لأن هذه أوصاف عارضة، بفعل إرادته، ومحض إيثاره للنقيصة على الفضيلة، انحرافًا مقصودًا، لا اضطرارًا جِبِلِّيًا، مما لا علاقة له ببيان جوهر الفطرة إطلاقًا، فتم بذلك التنسيق بينها على هذا الأساس.
5 ـ المَلحظ الدقيق الذي التفت إليه الإمام الزمخشري، في التنسيق بين ظواهر النصوص المتعارضة، ينهض بالتوفيق بينها على نحو يؤكد أصل"الخيرية"في الفطرة الإنسانية.