6 ـ توجيه"المسؤولية"ـ الدينية والدنيوية ـ على النقائص، وكبائر الإثم، إهمالًا للملكات والغرائز، يؤكد أصل هذه"الخيرية"، لاعتبار القرآن الكريم أن تلك"المآثم"تُشكل عدوانًا على الفطرة، وظلمًا لها، بحرمانها من حقها في بلوغ مستوى المجد والسمو والرفعة، وليست أمرًا نابعًا من ذاتها، ولا تعبيرًا ذاتيًا عن مقتضياتها: (واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين، ولو شئنا، لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض، واتبع هواه(. والإخلاد إلى الأرض، إيثارٌ للتدني والهبوط، صدى لإطراح القيم، أو عماية عنها، أو لفقدان الإنسان وعيه لذاته.
7 ـ المعاني المختلفة لكلمة"النفس"في استعمال القرآن الكريم، والتي ينبغي ـ على ضوئها ـ أن يُحدد ما يُسبغ عليها من الصفات، من كونها فطرية، أو ما دون ذلك، نتيجة لعوامل مؤثرة خارجية، أو لطغيان الهوى، أو لسوء تصرف الإنسان في ملكاته، مما يشكل عدوانًا على مقومات فطرته.
8 ـ وصفُ الإنسان بكونه"ظلومًا جهولًا"، بصيغتي المبالغة ـ في مورد حمله لأمانة التكليف ـ في قوله تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا (( 4) يُقصد بهذا الوصف ـ في الحقيقة ـ الإخبار أو التصوير لما سيقع فعلًا من معظم البشر عند وجوب أدائها، وإنفاذ تكاليفها الشاقة، من النكوص عن الامتثال، أو من التهاون في أمر أدائها، أو من الانحراف الإرادي عمدًا عن جادة الحق التي رسمتها رسالة التكليف، تعنيفًا لهم، بإسباغ وصفي الظلم والجهل عليهم، حتى بلغا بهم شأوًا بعيدًا، وازدراءً، من شأنه أن يوقظ وعيهم لذواتهم، وهو ضرب من المعالجة النفسية، لردهم إلى أصل فطرتهم، مما لا علاقة لهذا ـ كما ترى ـ ببيان طبيعة الفطرة، وجوهرها أصلًا، إذ ليست الآية الكريمة في موردها الذي بيَّنا، والدليل على هذا الانحراف الأغلبي، قوله تعالى: (أن تُطعْ أكثر من في الأرض، يُضلوك عن سبيل الله(.