وأيًا كان الأمر فإنه لا مندوحة عن الإشارة إلى عصر سعدي. لقد كان هذا العصر عصر فتن ومحن نزلت بالعالم الإسلامي. يشبه الشاعر ذلك الاضطراب في مستهل كتاب كلستان بشعر الزنجي المختلط المفلفل. ولئن حمت حكام ولاية فارس بذكائهم الحصيف بلادهم من اجتياح المغول والتتار لها فإن اضطراب الأمور كلها حمل الشاعر على الترحال والطواف كما ذكرنا آنفًا. ولقد أرّخ لكثير من الحوادث التي شاهدها أو سمع بها في شعره. ولعل أكبر قصيدة عربية وأطولها قيلت في رثاء بغداد حين خربها هولاكو قصيدته التي نوهنا بها قبلًا فهو يندب تلك الديار الخربة ويبكي تلك المعالم المتهاوية وتبدو فيها اللوعة والألم العميق، حتى أنه تمنى الموت قبل وقوع الكارثة:
حبست بجفنيَّ المدامع لا تجري
نسيم صبا بغداد بعد خرابها ... تمنيت لو كانت تمرّ على قبري
يرثي فيها المدرسة المستنصرية والعلماء: ... على العلماء الراسخين ذوي الحِجر
بكت جدر المستنصرية ندبة
نوائب دهر ليتني مت قبلها ... ولم أر عدوان السفيه على الحَبر
محابر تبكي بعدهم بسوادها ... وبعض قلوب الناس أحلك من حبر
ويشير إلى الخيانة: ... وعند هجوم الناس يألف بالغدر
لحى الله من يُسدي إليه بنعمة
مررت بصم الراسيات أجوبها ... كخنساء من فرط البكاء على صخر...
وقفتُ بعبَّادان أرقب دجلة ... كمثل دم قان يسيل إلى البحر
وفائض دمعي في مصيبة واسط ... يزيد على مد البحيرة والجزر...
فأين بنو العباس مفتخر الورى ... ذوو الخلق المرضي والغرر الزهر
غدا سَمَرًا بين الأنام حديثهم ... وذا سَمَرٌ يدمي المسامع كالسَّمر [1]
إلى آخر هذه القصيدة الطويلة الباكية. ... قم الآن وارث بغداد وطهران،
إنه يكره الحرب وسفك الدماء ويبرز في كتاباته وأشعاره اتجاهه الإنساني. فهو يقول في باب العدل في بوستانة ما معناه:
إني بحق الرجولة أرى ملك الدنيا كلها.
لا يساوي إراقة الدماء عليها.
ثم يقول مخاطبًا كل حاكم أو ملك: