ومن الواضح أن الكتابين يتفقان في أربعة أبواب ويختلفان في عددها كما يختلفان في البيان والعرض الفني، فالأول كما سلف شعر كله والثاني نثر فيه بعض الشعر. والمؤلف في كتابه الثاني أكثر ارتياحًا وتبسيطًا وتلوينًا بريشته الفنية للقصص والمواعظ، وأبلغ أثرًا في نفوس القراء، وأشد ميلًا إلى الترفيه، وأبرع في معرفة الطبيعة الإنسانية كما هو أكثر اقتباسًا فيه للألفاظ العربية ولبعض الأبيات الشعرية العربية. بيد أن أسلوبه شديد التأثير. تكفينا هذه اللمعة في إيضاحه، يريد مثلًا أن يشرح البون بين الترقب، ترقب الشيء ترقبًا ينمّ على اضطراب وخشية والممارسة التي تشفّ عن الهدوء والحزم و السكينة. فيورد قصة الغلام الذي ركب البحر أول مرة فجزع وضجّ وأقلق الركّاب بخوفه وصياحه. ولكنّ حكيمًا كان بينهم فأمر بدفعه إلى اللجّة فتقاذفته الأمواج حتى إذا أشفى على الهلاك أعاده الملاّحون إلى الفلك فهدأ جأشه وطابت نفسه بالنجاة وسكن. ثم يأتي المؤلف ببيت ترجمه الفراتي على هذا النحو الغزلي:
كم بين من كفُّه بالصدر عابثة
والخلاصة أن سعديًا عالج في كتبه وأشعاره أمورًا شتى بأرشق أسلوب وألطف بيان حتى أن المرء في مختلف أطوار حياته ومتفاوت صروفها ليصبو إلى الاستشهاد بأشعاره وأقواله وحكاياته ومواعظه. ... فلما طغى الماء استطال على السكر