لقد أشرنا آنفًا لزوم التمييز بين الأنواع في دراسة الشيخوخة ومن المناسب أن نذكر الآن لزوم التمييز بين الأفراد من الناحية النفسية. فقد تبين لدى دراسة النوع الإنساني أن الملكات بوجه عام تتضاءل مع تقدم السن ولكن ذلك يتفاوت بين الأفراد بتفاوت العمل المزاول والصحة النفسية بل تتلامح وسائل تستطيع الإفادة ما أمكن من بقايا تلك الملكات المتناقصة ويتجلى ذلك خاصة في مجال الذكاء فقد لوحظ أنه كلما كان نصيب المرء منه أوفر كان تنكُّسه مع تقدم السن أقل. وعلى ذلك شواهد في أقصى التاريخ قال سولون أحد الحكماء السبعة في اليونان القديمة:"إني أتقدم في السن ولا أكف عن طلب العلم"وظل سوفوكل يؤلف تراجيدياته حتى أقصى شيخوخته. وقد قاضاه أولاده مرة لأنه لم يقم بواجب الأبوة تجاههم وطلبوا الاستيلاء على ثروتة لنقصان عقله فما كان منه إلا أن قرأ آخر مسرحية ألفها أمام القضاة وسألهم هل تدل هذه الكتابة على إنسان فقد رشده؟ وقد أنصفه القضاة. وكثير من عظماء اليونان عمروا طويلًا أمثال هوميروس وفيثاغورس وديمقريطس وزينون وأفلاطون وسقراط وديوجين.
وفي تاريخ الحضارة العربية أمثلة ناطقة على كبار السن الذين كان عطاؤهم العلمي في الشيخوخة. لقد عمر الجاحظ طويلًا ولم ينفك من التأليف والسخرية والضحك على الرغم من مرضه وشلله اللذين كان يصفهما أحيانًا. وكتب الشيخ محيي الدين بن عربي كتابه فصوص الحكم في آخر حياته.
وألف أبو الريحان البيروني كتابه الصيدنة بعد أن تجاوز الثمانين وكان حتى آخر لحظة من حياته يناقش في بعض المسائل المعقدة ويحاول أن يضع لها حلولًا وتروى عنه حكايات تبلغ حد الأسطورة في حبه للعلم وحرصه عليه في غمرات الموت.
وألف المعري معاصره (لزوم ما لا يلزم) في أواخر حياته المديدة ولم يكف قط عن التأليف ونظم الشعر.