وكذلك نذكر باستور في العصور الحديثة الذي كان مبدعًا في جميع مراحل حياته وخاصة في آخرها وعندما كان كهلًا ومريضًا إذ أصيب بنزف دماغي جعله مشلولًا أملى نصًا قرئ عنه في الأكاديمية يقول فيه:"ما يزال عندي الكثير لأعمله، عالم كبير كامل يجب أن أكشف عنه".
وكثير من النابغين لم يظهر نبوغهم إلا بعد الأربعين. روائع (غوتي) الشاعر الألماني تمت بعد أن جاوز الخمسين.
وهنالك النحات الفرنسي رودان، لم يعل شأنه إلا بعد الأربعين وقد عاش حتى بلغ 83 عامًا، وكذلك بيكاسو أنجز إنجازات هائلة وهو في سن متقدمة.
ومن الصعب أن نجد فروقًا في طبيعة الأعمال العظيمة التي يبتكرها الشباب والتي ينجزها الشيوخ. حقًا إن الحضارة الإنسانية حافلة بشهب لامعة لم تعمر طويلًا أمثال خالد بن الوليد وعبد الله بن المقفع وأبي تمام والسهروردي المقتول ورافائيل وباسكال وموزار وآخرين سواهم ولكنهم هم الاستثناء إننا نعجب بالشباب اللامع المظفر ولكن الآخرين أكثر أهمية وأوسع تجربة وأجزل إنتاجًا. وفي بعض الأحيان يعيش الأشخاص العظام على ذكر نجاحهم عندما كانوا شبابًا ولكن في معظم الأحيان يكون ثمة استمرار وتعميق للنجاح يستمر مدى العمر. إذ لا يكف الأشخاص العظام عن الاهتمام بالحياة رغم تقدم السن وتظل طاقاتهم الخلاقة مبدعة بنضج وكل من استطاع أن يتماسك في إخلاصه لعمله أنجز شيئًا عظيمًا.
قال يونغ وهو قد عاش أمدًا طويلًا:"معظم الإنجازات العظيمة جاءت من أشخاص عاشوا طويلًا وكان لهم شيخوخة مليئة وغنية".
الحواشي:
(1) المناوي: فيض القدير ج 5 ص 388.
(2) العارف عبد العزيز الدريني: طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب ص 153.
(3) الحسن بن فضل الطبرسي: مكارم الأخلاق ص 220.
(4) صحيح البخاري: كتاب الأدب باب عقوق الوالدين.
(5) الغزالي: إحياء علوم الدين ج 2 ص 216.
(6) البخاري: كتاب الأدب، باب العقوق.
(7) الماوردي: أدب الدنيا والدين ص 112.