إن الميزة الظاهرة التي تميز الكتاب أنه يوحي لك بالعبرة فيما يحدثك به إيحاءً قبل أن يومئ بها إيماءً فهي في قصص السيرة تدلك على نفسها. وفي هذا غاية ما يوفق إليه كاتب يكتب سيرة بلده وهو يحدثك عن سيرته هو. وناهيك بما يبلغه الكاتب من النجاح فيما يأخذ نفسه به في مثل الموضوع الذي نحن بصدده إذا توفر له أن يكون ذا باع مشهود له في اللغة والأدب ومتميزًا بالحس الشاعري المرهف والسليقة البيانية الصافية كالأستاذ رضا صافي. فهو الذي عرفناه الأستاذ الجليل والمربي القدير والشاعر الرقيق، وهو بعد صاحب عقيدة ورأي في الخلق والوطنية... هذا فضلًا عن عصامية نادرة عرفت كيف تشق لنفسها الدرب الصعب في الحقبة الصعبة فتبلغ مما تطمح إليه النفوس التي تثق بالقيم المثلى والفضائل القومية الشأو العالي وإن بقي جزاؤها المادي الذي نالته يقصر عما استحقته! فكفاؤها أن تكون أعطت من نفسها للشباب المؤمن بنفسه وبقضية بلده وأمته المثل الصالح للجهد والجهاد.
*درب الأدب ودروب الوطنية:
هاهو الكاتب الفاضل ـ في الجزء الثالث الذي انتهى إلينا من كتابه ـ يتحدث إلينا بحديثه عن درب الأدب الذي مشاه وعن ذكرياته مع الأدب والأدباء من الأصدقاء وغير الأصدقاء في مدينة حمص، عهد الفتوة والشباب، مرورًا بمعاهد الدراسة وبالصحافة فيذكر أنه كان في مطلع عامه الدراسي 923 ـ 924 رابع خمسة ألفوا خلية (إخوان الصفا) (1) ، التي كان (شادي أدب فيها) ، بعد أن أفاض في الحديث عن خطواته الأولى في طريق الشعر وأتى على أسماء لمعت في سماء حمص في مطلع نهضتها الأدبية والفكرية مع عهد شبابه، وقد بلغ البعض (2) ، منها فيما بعد المنزلة المرموقة في الأدب والفكر في أقطار الوطن العربي فضلًا عن القطر السوري.