كان الرومان يقيمون مسارحهم على منحدرات من الأرض كسفوح التلال، وذلك للإفادة من ميلها الطبيعي، وانحدارها، أو يبنونها على أرض مستوية ومنبسطة حينما لا يتوفر الانحدار. وقد بني مسرح جبلة على رقعة من الأرض مستوية كمسرح بصرى لعدم توافر التلال فيهما، لذلك كان لابد من إقامة بناء يرتكز عليه مدرجه الشاهق. أما هذا البناء (المرتكز) فهو صرح شامخ عظيم الهيكل قوي القواعد والأصول. شيد من حجارة محلية كلسية ومن أعمدة من الرخام الرمادي والأحمر، ومن المرمر المعرق والمشرب ببعض الزرقة نقلت إليه من مصر ومن مدينة صور، ولا تزال معظم حجارته سليمة حتى الآن على الرغم من غير الدهر وكوارثه وزلازله، ومن تزاحم الفاتحين والغزاة وتدميرهم. ظهر له سبعة عشر بابًا ضخمًا، حتى الآن، يتجه معظمها نحو الجنوب والشرق، وبعضها الآخر نحو الغرب ويتطاول كل منها بارتفاع شاهق، وينفرج عن عرض يربو على مترين وينتهي أعلاه بعقد من الحجارة مقوس ويحيط به إفريز بارز جميل (19) .
وإن أنت ولجت أحد أبوابه طالعك دهليز واسع يبلغ عرضه أربعة أمتار، ويمتد عن يمينك منعطفًا نحو الشرق، وعن شمالك منعطفًا نحو الغرب مؤلفًا نصف دائرة، ويقوم على امتداد كل من هذين الجانبين غرف وأبهاء عديدة. وهو سامق الجدران غليظها، ومسقوف بحجارة مقوسة مديدة الطول قليلة الفرض، قد نضدت بإحكام وإتقان مشكلة عقودًا متتالية تنتهي إلى طرف الدهليز. ويرتكز على هذا الدهليز وعقوده الدور العلوي أو الثالث من المدرج.
ويقابل تلك الأبواب مجموعة أخرى من الأبواب الداخلية؛ فإذا مضيت ودخلت أحدها أفضى بك إلى ممر مسقوف بقباب من العقود ثم إلى دهليز ثان مواز للدهليز الأول الذي وصفناه، ولكنه أقصر امتدادًا وأقل عرضًا وارتفاعًا، وتظلله أيضًا عقود متتابعة متصل بعضها ببعض ومتدرجة في الميل والانحدار إلى أسفل مسايرة ميل وانحدار الدور الثاني من صفوف المدرج وهو يرتكز على هذا الدهليز وعقوده.