فهرس الكتاب

الصفحة 4634 من 23694

يا لله ما أشد تناقضات الإنسان على هذه البسيطة! وما أعجب عوادي الأيام وتصرفات الأزمان، أفتكون جبلة في القرون الموغلة في القدم، وفي عصور الاستبداد خيرًا منها في القرن العشرين، قرن العلم والذرة واجتياز الفضاءء والهبوط على الأفلاك؟! أيقوم فيها آنذاك مسرح للتمثيل ولعرض مختلف الفنون يستوعب عشرة آلاف من المشاهدين، وليس فيها اليوم ناد لفن ولا ملتقى لأدب، اللهم إذا ما شرعت الدولة مشكورة في وقتنا الحاضر، بإقامته من ملعب رياضي عظيم، ومرافق أخرى فنية وثقافية؟!...

لقد حملتني تأملاتي هذه على الإيمان بأن الأزمان والأبعاد والأعمار لا تصلح أن تكون مقاييس لتقدم الإنسان على هذا الكوكب الأرضي، أو معايير تجعل في حسبانه، وأن تقدمه وتطوره في معارج الحضارة والتمدن ووصوله إلى سعادته وإسعاده بني البشر إنما هما رهن بمعرفة ذاته وإدراكه كنه أصالته وجوهر تراثه وإيمانه بحريته وتمتعه بالاستقرار والاطمئنان النفسي والفكري والمعاشي، ووقف على طموحه ومضاء عزيمته، فإذا استطاع إدراك ذلك وأضحى سيد نفسه دان له الزمان، وذل له المكان، فتخطى مسافاتهما وأبعادهما وبلغ ما يصبو إليه من أهداف، وما يتطلع إليه من مجد وسؤدد وهناءة عيش.

ثم انصرفت ثانية إلى المسرح لأصف بناءه وتاريخه وتطوره، وفي نفسي أفكار وخواطر جمة تضطرب وتتزاحم فأدفعها عني، وأختزنها لمناسبة أخرى.

*المسارح في سورية:

خلف الرومان في سورية عددًا كبيرًا من المسارح، ولكن الزمن عفَّى على بعضها فلم يبق لها من أثر سوى أسماء نطالعها في بطون الكتب، وبقي بعضها حتى يومنا هذا قائمًا ولكن حظ كل منها من العمران متفاوت. ويعتبر مسرح جبلة من أهم وأجمل هذه المسارح (4) ، وأكثرها محافظة على المعالم الأصلية.

*تاريخ بنائه وتطوره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت