فهرس الكتاب

الصفحة 4633 من 23694

ولقد تولاني مما ألم بي من التطواف والتفكير كثير من العناء، فجلست على إحدى حجارة المدرج ملتمسة بعض الراحة، وإذا بخيالي يجمح بي ثانية إلى الماضي البعيد البعيد، إلى كنه هذا المسرح ومجتمعه القديم فأخالني جالسة مع جماهيره المحتشدة، أمتع ناظري براياته المرفوعة، وزيناته المنصوبة، وعمده الهيفاء الرشيقة، ومنصته المزدانة بأروع الزخارف وأدق النقوش، وأجمل الصور والرسوم، وأثمن الستائر والسجف، وآلق الثريات والنجف، وأراني أشارك الحضور في عواطفهم، فأنفعل كما ينفعلون: أطرب للمغنين، وأنتشي لألحان العازفين، وأكبر بطولات الممثلين، وأصفق للمجلين، وتدمع عيناي لفتاة وقعت في شرك خديعة، أو لشاب أودت به وقيعة... أما الحضور فكل يفتر ثغره عن ابتسامة تنم على الاطمئنان والرضى والسعادة، وهم يقبلون، وكأن على رؤوسهم الطير، على ما يشاهدون ويسمعون بشغف وفهم وإدراك... فلا تسمع ثمة حركة ولا نأمة نابية، ولا يؤذيك دخان تنفثه الشفاه والأنوف، ولا يخدش سمعك شجار أو تنابذ بالألقاب وتهاتر بالهذر والسباب، ولا يزعجك صراخ طفل أو بكاء رضيع.... أو شخير ونخير وصفير... وإذا تحدث القوم فإنهم يتجملون بالحديث وإذا ما اضطروا إلى التنقل بين درجات المدرج تنقلوا برفق وهوادة وأناة وذوق... حتى إذا انتهى الحفل نهضوا بهدوء وغادروا المسرح بانتظام... فرأيتني أنهض محاولة مغادرة المسرح مع المغادرين فإذا بمؤذن جامع السلطان إبراهيم بن أدهم المجاور للمسرح والذي يطل عليه بقبابه السبع الجميلة ومئذنته الرشيقة يعيدني إلى ذاتي، فأصحو من جموح خيالي وأجد لي بين تلك الحجار الصم والعاديات والأنقاض، فأثوب إلى رشدي وتنازعني نفسي القول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت