ثم دلفت في قاع من فنائه صفصف فتعثرت بأخاديد خلتها، لأول وهلة، سبرًا أثريًا حديث العهد، أو حفرات خلفتها معاول المنقبين والمصلحين، فتأملتها فإذا بها أجداث ولحود قديمة، فيها جماجم غائرة المحاجر، وعظام متآكلة نخرة ورفات، فطار قلبي شعاعًا من الهلع، وخيل إليَّ أنها طفقت تتململ في مطارحها، وتتحرك وتتجمع وتستعيد بنية هياكلها وسمات أبدانها وتقاسيمها، وتلملم أكفانها وتأتزر بها، وتنتصب قائمة تستقبلني، وتمد أيديها لتصافحني مصافحة المواطن الحميم لأخيه المواطن، فتولاني الهلع والذعر، ولم أجد منقذًا لي غير المفر، فرحت أتقهقر مرتعدة الفرائص كجبان أمام فارس؛ وكنت وأنا منكفئة أسمع قهقهة جافة، وحسًا خشنًا أجش ينبعثان من حيث انكفأت، ويتردد صداهما في نواحي المسرح ومتاهاته، وخيل إلي أنها تناديني قائلة: رويدكِ يا هذهَ! ماذا أصابك ودهاكِ؟!.. أخشيتنا ونحن وأنتِ كما قال شاعركم: ... كما نحن تكونونا
كما أنتم كذا كنا
ويحكِ يا بنية: لا تخشِ الموت والموتى، فليس الموت إلا توأم الحياة. بل لا حياة بلا موت ودفن. أرأيت إلى البذرة كيف أنها لا تستجيب لدواعي الحياة وأسبابها، ولا تؤتي أكلها طيبة إلا إذا ذبلت وذوت وجف ماؤها ودفنت في الأرض وغشَّاها الثرى؟!... هلا التفتِ إلى عالمكِ وعاينتِ أحواله، وتأملت تاريخ أقوامه وشعوبه، ووقفت على عبره وعظاته، فرأيت أن من خشي منها الموت، وفر منه مؤثرًا السلامة، وقع في مهاوي الهلاك كالساعي لحتفه بظلفه، وأن من وهب نفسه للموت، ونذر حياته في سبيل عقيدته، وصون حقه، وتوفير كرامته، وهبت له الحياة وعاش حرًا عزيزًا سعيدًا، أو كان باستطاعة أجدادكم العرب المسلمين أن يضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، وأن ينشروا في العالم كله دينهم ولغتهم وحضارتهم وتراثهم الإنساني المجيد، لو أنهم قعدوا عن مجاهدة النفس، ومكافحة من ناصبهم العداء والبغضاء والحقد، واستكانوا، ولم يصغوا إلى قول ربكم: