ثم خلصت إلى فنائه، وطفت في نواحيه وأرجائه، متنقلة من حجر إلى حجر، وقافزة من تلعة ركام هارٍ إلى بقايا جدار، ومن قاعدة عمود مرمري قابع كجرو صغير مقع لا حول له ولا طول، إلى جذعه المسجى والبعيد عنه والذي خيل إلي أنه يتحفز محاولًا أن ينهض ويثب من مكانه ليتبوأ قاعدته، ويعتمر تاجه الموشى بأجمل الزخارف والنقوش، ويمضي لينتصب حيث كان موضعه إبان مجده وعزه، ومررت بآبار ومجاري مياه قد نضب معينها وجفت شرايينها كما تجف عروق شجرة اقتلعتها الأعاصير، وبمحاريب مستطيلة ومستديرة منقورة في جدران منصة التمثيل تناوشتها أنياب العوادي فأضحت مثل أطُر قديمة بالية، وقد امَّحت رسومها وصورها فتعرت من الألوان والأصباغ، وفقدت رونقها ورواءها، وغضارتها. ثم صعدت سلالم مدرجة وهبطت مرات، فكنت أحس كأنما هي تترنح، وأنا فوق أدراجها، نشوة واعتزازًا، كما يترنح الثمل الطافح، بعد أن هجرها الرواد، ونأت عنها الجماهير، واكتنفتها الوحشة واليأس، وافتقدت الأنس من الأنس، ورزأها كرور القرون بالجمار والأكدار، وانتابها الخراب والبوار.
وقد ذكر ني، وأنا أتقرى أرجاءه، يقول شاعرنا العربي الكبير أبي عبادة البحتري وهو يجوس خلال إيوان كسرى:
مشمخّر تعلو له شرفات
ليس يدري أصنع أنس لجن ... سكنوه، أم صنع جن لأنسِ
عمرت للسرور دهرًا فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي.