ومع أن مطيع بن إياس كان مؤمنًا بالزندقة ومتبحرًا فيها، على ما يروي المسعودي، إلا أن شعره يخلو مما يشف عن أساسها الديني والفكري، وعن الملل الفارسية التي كان يبطنها ويؤمن بها، وهذا شيء طبيعي لأن"الدولة العباسية في زمن المهدي كانت تكافحها... كما كان الرواة يزورون عنها ولا يبالون بها" (130) وهكذا ضاع شعر"الزندقة الدينية"، ضياعًا يوشك أن يكون تامًا. وربما كان السبب في هذا تحرج الرواة من روايته لما فيه من دعوة دينية مناقضة للتوحيد الإسلامي.... وقد يكون"السبب حرص هؤلاء الشعراء أنفسهم على إخفاء هذا الشعر إيثارًا للسلامة، في وقت كانت الزندقة فيه تهمة خطيرة تهدد حياة معتنقيها، وتعرضهم للخطر" (131) . إلا أن ضياع شعر مطيع لن يقلل من درجة اعتقادنا بزندقته الدينية؛ ذلك أننا لو اعتمدنا الشعر مقياسًا في رمي الشعراء بها لكان علينا أن نخرج منها ونبعد عنها زنادقة حقيقيين كحماد عجرد (132) ، وصالح بن عبد القدوس (133) ، وهو ما لا نستطيعه، لأنهما زنديقان حقًا.
بقي علينا أن نحدد"ماهية زندقة مطيع": أهي المانوية، أم المزدكية، أم هما معًا؟؟...
إن قراءة سيرة مطيع والاطلاع على أخباره يجعلاننا نستنتج أنه كان مزدكيًا لا مانويًا (134) ، فقد ثبتت عليه ـ كما قلنا ـ تهمة الأُبنة، وتهمة الزنا (135) ، وتهمة اللواط (136) ... وتعاليم المانوية، كما وصلتنا، أبعد ما تكون عن هذه الفواحش (137) ، في حين أن المزدكية هي التي تُحل ذلك لمنتحليها (138) . ووصية المهدي لابنه الهادي تؤيد ما نذهب إليه من"مزدكية مطيع" (139) ، وتثبت لنا أن زندقة القرن الثاني كانت تعني"المزدكية"أحيانًا، لا"المانوية"، وحدها، كما يقول ابن النديم (140) ، والمسعودي (141) ، وفيدا (142) ، وآدم ميتز (143) ، والدوري (144) ، وأحمد أمين (145) .