وليس المجون دائمًا دليلًا على الزندقة، وإن اقترن بها بشكل وثيق في القرن الثاني كما يقول مصطفى هدارة وأحمد أمين ويوسف خليف (116) ، ذلك أن عددًا من كبار الشخصيات في العصر الأموي اتهموا بها، لأنهم سلكوا في الحياة مسلك مطيع بن إياس وأصحابه، مثل الخليفة الوليد بن يزيد، ومؤدبه عبد الصمد بن عبد الأعلى (117) ، والخليفة مروان بن محمد ومؤدبه الجعد بن درهم (118) ، وخالد بن عبد الله القسري (119) .
وفي بداية العصر العباسي نعثر على بعض الأخبار التي تؤكد ما نذهب إليه، إذ يروى أن آدم بن عبد العزيز ـ حفيد الخليفة عمر بن عبد العزيز ـ اتهم بالزندقة لأنه كان ماجنًا، منهمكًا في الشراب، وحين يفرط فيه كانت تجري على لسانه أبيات شعر فيها مساس بالدين، فألقى الخليفة المهدي القبض عليه، وأمر بضربه ثلاثمائة سوط على أن يقر بالزندقة، فقال:"والله يا أمير المؤمنين ما أشركت بالله طرفة عين، ومتى رأيت قرشيًا تزندق، ولكنه طرب غلبني وشعر طفح على قلبي فنطقت به. أنا فتى من فتيان قريش أشرب النبيذ وأقول ما قلت على سبيل المجون، فخلى سبيله ورق له" (120) .
لقد نسب أبو منصور الثعالبي النيسابوري زندقة مطيع وأصحابه إلى الظرف، وقال عنهم، بعد أن عدد أسماءهم:"والله أعلم ببواطنهم وضمائرهم"، ثم أكمل قائلًا: وقد كان الجاهل الغر من أهل ذلك العصر، يتطفل على الزندقة، ينتحلها ليعد من الظرفاء، كما قال الشاعر:
تزندق معلنًا ليقول قوم من الأدباء زنديق ظريف
فقد بقي التزندق فيه وسمًا وما قيل الظريف ولا الخفيف (121) .
وقال الجاحظ:"إن الناس في عصره لم يكونوا يبالون بتهمة الزندقة، ماداموا سينسبون بعدها إلى الظرف" (122) ، إذ أن"سمة الظرف كانت لاصقة بالزنديق، وقد اشتهر بها يحيى بن زياد الحارثي صديق مطيع، فكانوا إذا وصفوا إنسانًا بالظرف، قالوا: هو أظرف من الزنديق ـ يعنون يحيى ـ وهو المعنى الذي أشار إليه أبو نواس بقوله:"
"تيه مغن وظرف زنديق" (123) .