وبعد موت عمر ألمَّ بمؤسسة الخلافة تغييرات كبيرة. تجلت في عصر عثمان ثم أيام خلافة علي، وأخيرًا، لكن ليس آخرًا، في استيلاء معاوية على مقاليد السلطة، وانتزاع لقب الخلافة لنفسه. وقامت قوى كثيرة تعارض معاوية وحكم الأسرة التي أسسها، وغالبًا ما قاد المعارضة أحد أفراد الأسرة العلوية أو سواهم من قريش وغيرها، ونظرًا لاختلاط المفاهيم في الإسلام فقد تحولت حركات المعارضة تدريجيًا من حركات سياسية إلى حركات دينية سياسية، وفي الإسلام يحمل القائد الديني لقب الإمام، لذلك برز إلى الوجود مؤسسة جديدة هي مؤسسة الإمامة.
إن الحديث عن هذا المجمل بشكل مفصل ينبغي أن يفرد في بحث آخر قائم بذاته، لأن البحث الحالي، جاء أساسًا كمقدمة لنص عن الخلافة، وهذا النص يشكل واحدًا من بين ما لا يمكن حصره من النصوص التي كتبها المسلمون في السياسة والحكم والتاريخ، وجاء اختيار هذا النص لأسباب وجيهة منها:
أن صاحبه يعود إلى العصر المريني المتأخر، وهو عصر نهاية الأندلس، كما أنه عصر متميز بالكتابات السياسية والفكرية والتاريخية والدينية بشكل عام. ذلك أنه بالأساس، عندما ورث بنو مرين دولة الموحدين العقائدية، اضطروا إلى اتباع سياسة دينية خاصة. ذلك أنهم لم يملكوا النسب القرشي، كما أن سندهم القبلي لم يكن متينًا، لهذا أولى بنو مرين علماء المالكية عناية كبيرة، وحرصوا على سياسة الجهاد في الأندلس والظهور بمظهر العدل وغير ذلك من مظاهر التدين.
يعرف صاحب هذا النص باسم ابن مرزوق، وقد جعله مقدمة لكتابه"المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن"، وقد عاصر ابن مرزوق لسان الدين ابن الخطيب كما عاصر ابن خلدون، وكان مثله في الحياة والتجربة، حيث عاش في المغرب والأندلس، وتونس وأخيرًا مصر، كما زار الحجاز والشام. وعلى ذلك كانت تجربته إسلامية شمولية فيها الغرب والشرق، وفيها نظام الملك المريني، والحكم الغرناطي، والحفصي، والمملوكي.