فقد جاء في سيرة ابن اسحق-175-"عن زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله ( على ثلاث فرق: فرقة بالمدينة، وفرقتين بمكة، فرقة كانوا يؤذون بمكة عشر سنين، فيعفون عن المشركين، وفرقة كانوا إذا أوذوا انتصروا منهم، فأنزل الله عز وجل عليهم جميعًا فقال:",الذين يجتنبون كبائر الإثم""وهو الشرك""والفواحش""وهو الزنا"وإذا ما غضبوا هم يغفرون"، هؤلاء الذين كانوا لا ينتصرون من المشركين،"والذين استجابوا لربهم وأقاموا لربهم وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم"الذين كانوا بالمدينة لم يكن عليهم أمير، كان رسول الله بمكة، وهم بالمدينة يتشاورون في أمرهم"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون5"هؤلاء الذين انتصروا...
وحين أمر النبي بأن يشاورهم في الأمر، لم يبين القرآن قواعد الشورى هذه وحدودها وطرق تطبيقها، كما لم يبين إلى أي حد كان على النبي الأخذ برأي أصحابه وأتباعه، وعندما يعود الباحث إلى كتب السيرة والسنن والمغازي يجد أن مفهوم هذه القضية لم يكن واضحًا عند أحد من الصحابة، كما لم تتوضح معالمه في الممارسات العملية زمن النبي، فحينما كان النبي يستشير أحد أصحابه، أو بعضًا منهم، كان الجواب الأول"الله ورسوله أعلم"وعندما كان النبي يلح في السؤال، كان جوابه سؤالًا عما عند الوحي في ذلك، أو عما عنده هو شخصيًا في ذلك، حتى يأتي الجواب منسجمًا، أو منطلقًا من إيحاءات السؤال ومناحيه.