وقد تبدل هذا الحال كليًا بانقضاء الفترة المكية، وهجرة المسلمين إلى المدينة حيث عمل النبي، الذي أصبح بالإضافة إلى صفة النبوة، يتحلى بصفة زعيم الأمة، وحاكمها المطلق، النابعة أحكامه من إرادة الله. عمل هذا النبي على إنشاء أمة جديدة، ذات تقاليد وقواعد جديدة، فلأول مرة في حياة مجتمع الشمال في شبه جزيرة العرب، لا بل في مجتمع الجزيرة كله، قامت تجربة جديدة للحكم، مركزية السلطة، لها قانون وشرعة، حاكمها يملك وحده- لأنه رسول الله ونبيه، لا ينطق عن الهوى- له الحق في التشريع. ويقع على عاتقه في الوقت نفسه واجب تنفيذ الأحكام، ولم يكن تطبيق هذا الرضا به من قبل العرب، من الأمور السهلة، لكن رغم ذلك، نجح النبي إلى أبعد الحدود في إرساء قواعد لحكم الأمة الجديدة التي أقامها، وإن كان لم يأت بنظرية للحكم ذات أسس، ومنطلقات ثابتة واضحة...
هذا وقد تناول بعض الكتّاب هذه القضية، حيث يرون أن النبي قد أتى بنظرية خاصة في الحكم والسياسة، هي نظرية الشورى، معتمدين على ما جاء في القرآن الكريم من آيات فيها (وأمرهم شورى بينهم( و(شاورهم في الأمر(، وقبل إطلاق عنان الخيال حول مرامي هاتين الآيتين، وتحميل الأمر أكثر مما يحتمل، لا بد لنا من وقفة..