يضاف إلى هذا أن الصديق مع صاحبيه كانوا يعرفون أن المدينة تحولت بعد الهجرة إليها من مدينة يثرب، موطن الأوس والخزرج واليهود، إلى مدينة رسول الله، ومنزل الإسلام والمسلمين من مهاجرين وأنصار، ذلك أن المهاجرين كانوا قد غدوا من الكثرة والقوة والغنى بمنزلة تفوق في كثير من الأوجه منزلة الأنصار.
وكان أبو بكر وصاحباه يخشون الفتنة، ويكرهون سفك الدماء، وتفتيت صفوف الأمة، كما كانوا يعرفون أنهم هم، دون سواهم، بإمكانهم أن يحوزوا رضى سواد عناصر المسلمين وتأييدهم، وخاصة جماعة المهاجرين والمكيين، لأنهم كانوا من زعماء قبائل قريش، وذوي الثراء فيها قبل الإسلام، وكان دخولهم الإسلام عن قناعة كاملة وإخلاصهم واستماتتهم في سبيله أثر في رفع مكانتهم عن ذي قبل، ومعروف أنه منذ بداية الإسلام وأبو بكر هو"ثاني اثنين"وأن عمر بن الخطاب غدا ثالثهما لحظة دخوله في الإسلام.
وحين سمع أبو بكر وصاحباه بخبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، تحركوا نحو مكان الاجتماع، وفي طريقهم حُذّروا من مخاطر ذلك، لكنهم تابعوا طريقهم وعندما وصلوا مكان الاجتماع، وجدوا سعد بن عبادة، أحد زعماء قبيلة الخزرج، قد أُعد لينصَّب أميرًا، وكان سعد آنذاك مريضًا، لا يقوى على التحرك، ولا يقدر على رفع صوته. لذا عندما أخذ في الكلام، قام أحد أهله بترديد كلامه، وإسماعه للمجتمعين، أوضح سعد، أن النبي محمدًا ( ما كان ليكتب له النجاح لولا مناصرة الأنصار له، ولذلك فأمر الحكم بعده خليق بهم وحقيق، وختم كلمته بقوله مخاطبًا قومه:"استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس".