فهرس الكتاب

الصفحة 4341 من 23694

لقد تعود الباحثون أن يروا في هذه القصة أثرًا فلسفيًا، وقد كانت دراساتهم لها من وجهة النظر هذه. لكننا وجدنا أنه من الممكن لنا أن نعدها أثرًا تربويًا، لاسيما أن غاية صاحبها كانت ـ كما يقول ـ بث أسرار الحكمة المشرقية. بل إن الأمر أبعد خطرًا من ذلك، فما دام ابن طفيل يبين فيها كيف تربى حي تربية طبيعية وصلت به إلى أن يربي ذاته عقليًا وأخلاقيًا وفلسفيًا، وعقد موازنة بين هذا النوع من التربية والتربية الاجتماعية، فقد كان من الممكن ـ بل من الأفضل ـ أن نعدها أثرًا في فلسفة التربية. فمن هذه الناحية، يمكننا أن نرى في حي ذلك الإنسان الذي تمكن من تربية ذاته بذاته، تربية لا تقتصر على مرتبة تصريف شؤون الحياة الدنيوية فقط، بل تتعداها إلى بلوغ أعلى مراتب التأمل الفلسفي، وتلكم هي فلسفة التربية بالمعنى الصحيح للكلمة.

ومن هنا كانت تربية حي تربية ذاتية اتخذت صورًا مختلفة بحسب مراحل العمر المتلاحقة، فهي تربية طبيعية خالصة في بادئ الأمر، وهي تربية عقلية وعملية، فلسفية وأخلاقية، من بعد ذلك، لكن ابن طفيل لا يقف عند حد بيان ذلك، بل يعقد موازنة بين هذا النوع من التربية والتربية الاجتماعية الدينية، ليقول لنا، إن هذه التربية الأخيرة، إذا نفذ إليها الفكر والتأمل، يمكن أن تنتهي إلى ما انتهت إليه التربية الطبيعية. وهذا يعني فلسفيًا، أن تطابق هاتين التربيتين، ينتهي إلى تطابق المنقول والمعقول وتوافقهما في أذهان من يتبع هذه ومن يتبع تلك.

وهذا ما سنحاول بيانه في بحثنا هذا، فنبدأ ببيان حقيقة هذه التربية الذاتية، من خلال وجهين فقط، هما: التربية العملية، والتربية العقلية، ثم نعقب عليهما ببيان العلاقة بينهما وبين التربية الاجتماعية، على أن نقدم لذلك بخلاصة عن هذه القصة، تمكن القارئ من متابعتنا في تحليلنا هذه التربية الذاتية، القائمة على أساس من الطبيعة.

1 ـ حياة حي بن يقظان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت